محمد محمد أبو موسى
108
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
لم يرجع إلى أمر لا يحتمل لم يصح التفرقة بين المحكم والمتشابه » فالكلمات لا تحدد معانيها تحديدا منضبطا لأن كل كلمة فيها تحتمل غير ما وضعت له ، وبهذا تتحدد وظيفة معاجم اللغة وقواميسها في نظر المعتزلة . وهذا الفهم لطبيعة اللغة منحهم حرية طليقة في توجيه وصرف الألفاظ إلى معان غير معانيها القريبة والاجتهاد في سوق الأدلة اللغوية والأدبية على هذه المعاني فالاضلال في قوله تعالى : « يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ » « 121 » ليس المراد به الصرف عن الهداية كما يتبادر إلى الذهن عند الاستعمال ، لأن هذا المعنى يعارض قضية عقلية وهي تنزيه اللّه سبحانه عن ذلك فوجب أن يراد بالاضلال معنى آخر كالعقوبة ، وقد استعمل اللفظ في هذا المعنى كقوله تعالى : « أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ » « 122 » أي أبطلها ، وابطال الأعمال عقوبة للعاملين ، وكقوله تعالى : « وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ » « 123 » أي يعاقبهم ، وقوله تعالى : « إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ » « 124 » أي في عقوبة ونار « 125 » . « وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ » « 126 » ليس معناه الحيلولة بينها وبين الايمان لأن هذا المعنى يرفضه العقل وصفا للمولى سبحانه ودلالة اللفظ على هذا المعنى ليست ضربة لازب ومن هنا يمكن أن نقول : ان المعنى كتب في قلوبهم كتابة يعرف بها كفرهم كما قال تعالى : « يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ » « 127 » وكما قال في وصف المؤمنين : « كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ » « 128 » وهذا أشبه بكلام العرب لأن الطبع عندهم يستعمل في الكتابة على الخواتيم والدراهم والدنانير « 129 » .
--> ( 121 ) الرعد : 27 ( 122 ) محمد : 1 ( 123 ) إبراهيم : 27 ( 124 ) القمر : 47 ( 125 ) المخطوطة ورقة 136 . ( 126 ) التوبة : 93 ( 127 ) الرحمن : 41 ( 128 ) المجادلة : 22 ( 129 ) ينظر كتاب الرد على الجبريّة القدرية فيما تعلقوا به من متشابه آي القرآن الكريم تأليف القاضي ابن عمرو أحمد بن محمد الخلال من علماء القرن الرابع ، والكتاب مخطوط بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء رقم ( 71 تفسير ) ومصور بدار الكتب ميكروفيلم رقم ( 117 تفسير ) .