عبد الفتاح عبد الغني القاضي
5
البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة
[ تاريخ القرّاء العشرة ورواتهم وتواتر قراءاتهم ومنهج كلّ في القراءة ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم المقدّمة الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى من تبعهم بخير وإحسان إلى يوم الدين . وبعد : فلما كان من سنة اللّه تبارك وتعالى الماضية في عباده أنه سبحانه لم يرسل رسولا إلا بلسان قومه بمقتضى قوله تعالى : وما أرسلنا من رّسول إلّا بلسان قومه ليبيّن لهم . وقوله تعالى : فإنّما يسّرنه بلسانك لعلّهم يتذكّرون وكان العرب الذين أنزل إليهم القرآن الكريم مختلفي اللهجات ، متعددي اللغات ، متنوعي الألسن - أنزل اللّه تعالى كتابه على لهجات العرب ولغاتهم ليتمكنوا من قراءته ، وينتفعوا بما فيه من أحكام وشرائع ؛ إذ لو أنزله تعالى بلغة واحدة - ومن أنزل إليهم مختلفو اللغات كما سبق لحال ذلك دون قراءته والانتفاع بهدايته ؛ لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتحول من لغته التي درج عليها ، ومرن لسانه على التخاطب بها منذ نعومة أظافره ، وصارت هذه اللغة طبيعة من طبائعه ، وسجية من سجاياه ، واختلطت بلحمه ودمه حتى لا يمكنه التقصي عنها ، ولا العدول إلى غيرها ، فلو كلف اللّه العرب مخالفة لغاتهم التي لا يستقيم لسانهم إلا عليها ، ولا يتيسر نطقهم إلا بها ؛ لشق ذلك عليهم غاية المشقة . ولكان ذلك من قبيل التكليف بما لا يدخل تحت طاقة الإنسان البشرية ، وقدرته الفطرية . ولكان ذلك منافيا ليسر الإسلام وسماحته التي تقتضي درء الحرج والمشقة عن معتنقيه ؛ فاقتضت رحمة اللّه تعالى بهذه الأمة ، وإرادته وضع الإصر عنها أن يخفف عليها ، وأن ييسر لها حفظ كتابها ، وتلاوة دستورها ، لتتمكن من قراءته ، والتعبد بتلاوته . والانتفاع بما فيه على أكمل الوجوه وأحسنها ، فأنزل القرآن على لغات العرب المختلفة ، ولهجاتهم المتنوعة ، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلم يقرؤه بهذه اللهجات ليسهل على كل قبيلة تلاوته بما يوافق لهجتها ، ويلائم لغتها . تلقى الصحابة من في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم القرآن الكريم بقراءاته ورواياته ، فلم يضيعوا