ابن قيم الجوزية
99
البدائع في علوم القرآن
مثال لأوقات النزول وقت نزول فرض الحج لما نزل فرض الحج ، بادر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الحج من غير تأخير ، فإن فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر ، وأما قوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [ البقرة : 196 ] ، فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية ، فليس فيها فرضية الحج ، وإنما فيها الأمر بإتمامه ، وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما ، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء . فإن قيل : فمن أين لكم تأخير نزول فرضه إلى التاسعة ، أو العاشرة ؟ قيل : لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود ، وفيه قدم وفد نجران على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وصالحهم على أداء الجزية ، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع ، وفيها نزل صدر ( سورة آل عمران ) ، وناظر أهل الكتاب ، ودعاهم إلى التوحيد ، والمباهلة . ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] ، فأعاضهم اللّه تعالى من ذلك بالجزية . ونزول هذه الآيات والمناداة بها ، إنما كان في سنة تسع ، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في مواسم الحج ، وأردفه بعلي رضي اللّه عنه ، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف ، واللّه أعلم « 1 » . وقت نزول سورة براءة [ ثبت ] أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يأخذ من أحد من الكفار جزية إلا بعد نزول سورة ( براءة ) في السنة الثامنة من الهجرة ، فلما نزلت آية الجزية ، أخذها من المجوس ، وأخذها من أهل الكتاب ، وأخذها من النصارى « 2 » .
--> ( 1 ) زاد المعاد ( 2 / 101 ، 102 ) . ( 2 ) زاد المعاد ( 3 / 151 ) .