ابن قيم الجوزية
97
البدائع في علوم القرآن
نزول القرآن الكريم وقت نزول القرآن لما كمل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أربعون ، أشرق عليه نور النبوة ، وأكرمه اللّه تعالى برسالته ، وبعثه إلى خلقه ، واختصه بكرامته وجعله أمينه بينه وبين عباده . ولا خلاف أن مبعثه صلى اللّه عليه وسلم كان يوم الاثنين ، واختلف في شهر المبعث ، فقيل : لثمان مضين من ربيع الأول ، سنة إحدى وأربعين من عام الفيل ، هذا قول الأكثرين . وقيل : بل كان ذلك في رمضان ، واحتج هؤلاء بقوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] ، قالوا : أول ما أكرمه اللّه تعالى بنبوته ، أنزل عليه القرآن ، وعلى هذا ذهب جماعة ، منهم يحيى الصرصري ، حيث يقول في نونيته : وأتت عليه أربعون فأشرقت * شمس النبوة منه في رمضان . والأولون قالوا : إنما كان إنزال القرآن في رمضان جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة ، ثم أنزل منجما بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة . وقالت طائفة : أنزل فيه القرآن ، أي في شأنه وتعظيمه ، وفرض صومه . وقيل : كان ابتداء المبعث في شهر رمضان « 1 » . أول ما نزل من القرآن وأول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أمر النبوة الرؤيا ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح « 2 » . قيل : وكان ذلك ستة أشهر ، ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة ، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، واللّه أعلم . ثم أكرمه اللّه تعالى بالنبوة ، فجاءه الملك ، وهو بغار حراء ، وكان يحب الخلوة فيه ، فأول ما أنزل عليه : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) [ العلق ] . هذا قول عائشة والجمهور .
--> ( 1 ) زاد المعاد ( 1 / 77 ، 78 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3 ) في بدء الوحي ، ومسلم ( 160 / 252 ) في الإيمان ، باب : بدء الوحي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .