ابن قيم الجوزية
96
البدائع في علوم القرآن
بيان إن العبد إذا نفذ فيها « 1 » ، وكمل اطلاعه ، جاء بالعجائب . وقد شاهدنا نحن وغيرنا من ذلك أمورا عجيبة ، يحكم فيها المعبر بأحكام متلازمة صادقة ، سريعة وبطيئة ، ويقول سامعها : هذه علم غيب . وإنما هي معرفة ما غاب من غيره بأسباب انفرد هو بعلمها ، وخفيت على غيره ، والشارع صلوات اللّه عليه حرم من تعاطي ذلك ما مضرته راجحة على منفعته ، أو ما لا منفعة فيه ، أو ما يخشى على صاحبه أن يجره إلى الشرك ، وحرم بذل المال في ذلك ، وحرم أخذه به ، صيانة للأمة عما يفسد عليها الإيمان أو يخدشه ، بخلاف علم عبارة الرؤيا ، فإنه حق لا باطل ، لأن الرؤيا مستندة إلى الوحي المنامي ، وهي جزء من أجزاء النبوة ، ولهذا كلما كان الرائي أصدق ، كانت رؤياه أصدق ، وكلما كان المعبر أصدق وأبر وأعلم ، كان تعبيره أصح ، بخلاف الكاهن والمنجم وأضرابهما ممن لهم مدد من إخوانهم من الشياطين ، فإن صناعتهم لا تصح . من صادق ولا بار ، ولا متقيد بالشريعة بل هم أشبه بالسحرة الذين كلما كان أحدهم أكذب وأفجر ، وأبعد عن اللّه ورسوله ودينه ، كان السحر معه أقوى وأشد تأثيرا ، بخلاف علم الشرع والحق ، فإن صاحبه كلما كان أبر وأصدق وأدين ، كان علمه به ونفوذه فيه أقوى ، وباللّه التوفيق « 2 » .
--> ( 1 ) أي الرؤيا . ( 2 ) زاد المعاد ( 5 / 789 ) .