ابن قيم الجوزية
94
البدائع في علوم القرآن
فإن قيل : فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة ، أو تواطأت ؟ . قلنا : متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي ، بل لا تكون إلا مطابقة له ، منبهة عليه ، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمة لم يعرف الرائي اندراجها فيه ، فيتنبه بالرؤيا على ذلك . ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق وأكل الحلال ، والمحافظة على الأمر والنهي ، ولينم على طهارة كاملة مستقبل القبلة ، ويذكر اللّه حتى تغلبه عيناه ، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة . وأصدق الرؤيا رؤيا الأسحار ، فإنه وقت النزول الإلهي ، واقتراب الرحمة والمغفرة ، وسكون الشياطين . وعكسه رؤيا العتمة ، عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية . وقال عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه : « رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام » . وللرؤيا ملك موكل بها ، يريها العبد في أمثال تناسبه وتشاكله ، فيضربها لكل أحد بحسبه . وقال مالك : « الرؤيا من الوحي وحي » وزجر عن تفسيرها بلا علم . وقال : « أتتلاعب بوحي اللّه ؟ » . ولذكر الرؤيا وأحكامها وتفاصيلها وطرق تأويلها مظان مخصوصة بها ، يخرجها ذكرها عن المقصود . واللّه أعلم « 1 » . مسألة فإن قيل : فاللّه تعالى لا يكلم عباده ؟ قيل : بلى ، قد كلمهم ، فمنهم من كلمه اللّه من وراء حجاب منه إليه بلا واسطة ، كموسى . ومنهم من كلمه على لسان رسوله الملكي ، وهم الأنبياء . وكلم اللّه سائر الناس على ألسنة رسله ، فأنزل عليهم كلامه الذي بلّغته رسله عنه « 2 » .
--> ( 1 ) مدارج السالكين ( 1 / 37 - 52 ) . ( 2 ) مدارج السالكين ( 1 / 26 ) .