ابن قيم الجوزية
92
البدائع في علوم القرآن
فصل قال « الدرجة الثالثة : إلهام يجلو عين التحقيق صرفا ، وينطلق عن عين الأزل محضا ، والإلهام غاية تمتنع الإشارة إليها » . عين التحقيق عنده هي الفناء في شهود الحقيقة ، بحيث يضمحل كل ما سواها في ذلك الشهود ، وتعود الرسوم أعداما محضة ، فالإلهام في هذه الدرجة يجلو هذا العين للملهم صرفا ، بحيث لا يمازجها شيء من إدراك العقول ولا الحواس ، فإن كان هناك إدراك عقلي أو حسي لم يتمحض جلاء عين الحقيقة . والناطق عن هذا الكشف : أن كل الخلق عنه في حجاب . وعندهم : أن العلم والعقل والحال حجب عليه ، وأن خطاب الخلق إنما يكون على لسان الحجاب ، وأنهم لا يفهمون لغة ما وراء الحجاب من المعنى المحجوب ، فلذلك تمتنع الإشارة إليه ، والعبارة عنه . فإن الإشارة والعبارة إنما يتعلقان بالمحسوس والمعقول ، وهذا أمر وراء الحس والعقل . وحاصل هذا الإلهام : أنه إلهام ترتفع معه الوسائط وتضمحل وتعدم ، لكن في الشهود لا في الوجود . وأما الاتحادية ، القائلون بوحدة الوجود : فإنهم يجعلون ذلك اضمحلالا وعدما في الوجود ، ويجعلون صاحب المنازل منهم ، وهو بريء منهم عقلا ودينا وحالا ومعرفة ، واللّه أعلم . فصل المرتبة العاشرة من مراتب الهداية : الرؤيا الصادقة . وهي من أجزاء النبوة ، كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » « 1 » . وقد قيل في سبب هذا التخصيص المذكور : إن أول مبتدأ الوحي كان هو الرؤيا الصادقة ، وذلك نصف سنة ، ثم انتقل إلى وحي اليقظة مدة ثلاث وعشرين سنة ، من حين بعث إلى أن توفي - صلوات اللّه وسلامه عليه - فنسبة مدة الوحي في المنام من ذلك : جزء من ستة وأربعين جزءا . وهذا حسن ، لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة : « إنها جزء من سبعين جزءا » « 2 » .
--> ( 1 ) البخاري ( 6988 ) في التعبير ، باب : الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، ومسلم ( 2263 / 6 ) في أول الرؤيا ، وأبو داود ( 5018 ) في الأدب ، باب : ما جاء في الرؤيا . ( 2 ) رواه مسلم ( 4205 ) في الرؤيا من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما وابن ماجة ( 3887 ) وراجع : فتح الباري ( 12 / 380 ) ففيه فوائد قيمة .