ابن قيم الجوزية

90

البدائع في علوم القرآن

الإلهي بواسطة الملائكة . وأما وقوعه بغير واسطة : فمما لم يتبين بعد ، والجزم فيه بنفي أو إثبات موقوف على الدليل ، واللّه أعلم . فصل النوع الثاني من الخطاب المسموع : خطاب الهواتف من الجان ، وقد يكون المخاطب جنيا مؤمنا صالحا ، وقد يكون شيطانا . وهذا أيضا نوعان : أحدهما : أن يخاطبه خطابا يسمعه بأذنه . والثاني : أن يلقي في قلبه عندما يلم به . ومنه وعده وتمنيته حين يعد الإنسي ويمنيه ، ويأمره وينهاه ، كما قال تعالى : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 120 ) [ النساء ] ، وقال : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [ البقرة : 268 ] ، وللقلب من هذا الخطاب نصيب ، وللأذن أيضا منه نصيب ، والعصمة منتفية إلا عن الرسل ومجموع الأمة . فمن أين للمخاطب أن هذا الخطاب رحماني ، أو ملكي ؟ بأي برهان ؟ أو بأي دليل ؟ والشيطان يقذف في النفس وحيه . ويلقي في السمع خطابه ، فيقول المغرور المخدوع : « قيل لي ، وخوطبت » صدقت ، لكن الشأن في القائل لك والمخاطب . وقد قال عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه لغيلان بن سلمة - وهو من الصحابة - لما طلق نساءه ، وقسم ماله بين بنيه : « إني لأظن الشيطان - فيما يسترق من السمع - سمع بموتك ، فقذفه في نفسك » فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ؟ . فصل النوع الثالث : خطاب حالي ، تكون بدايته من النفس ، وعوده إليها فيتوهمه من خارج ، وإنما هو من نفسه ، منها بدأ وإليها يعود . وهذا كثيرا ما يعرض للسالك ، فيغلط فيه ، ويعتقد أنه خطاب من اللّه ، كلمه به منه إليه . وسبب غلطه : أن اللطيفة المدركة من الإنسان إذا صفت بالرياضة ، وانقطعت علقها من الشواغل الكثيفة : صار الحكم لها بحكم استيلاء الروح والقلب على البدن ، ومصير الحكم لها . فتنصرف عناية النفس والقلب إلى تجريد المعاني التي هي متصلة بهما ، وتشتد عناية الروح بها ، وتصير في محل تلك العلائق والشواغل ، فتملأ القلب . فتصرف تلك المعاني إلى المنطق والخطاب القلبي الروحي بحكم العادة ، ويتفق تجرد الروح ، فتتشكل تلك