ابن قيم الجوزية
88
البدائع في علوم القرآن
وغفلته وإعراضه ، بل يخرج السامع قائلا للحاضر معه : ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ محمد : 16 ] . والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام : أن هذه المرتبة إنما تحصل بواسطة الأذن ومرتبة الإفهام أعم . فهي أخص من مرتبة الفهم من هذا الوجه ، ومرتبة الفهم أخص من وجه آخر ، وهي أنها تتعلق بالمعنى المراد ولوازمه وتعلقاته وإشاراته ، ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب ويترتب على هذا السماع سماع القبول . فهو إذن ثلاث مراتب : سماع الأذن ، وسماع القلب ، وسماع القبول والإجابة . فصل المرتبة التاسعة : مرتبة الإلهام . قال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها [ الشمس : 7 - 8 ] ، وقال النبي لحصين بن منذر الخزاعي لما أسلم : « اللهم ألهمني رشدي ، وقني شر نفسي » « 1 » . وقد جعل صاحب المنازل بين : « الإلهام » هو مقام المحدثين . قال : وهو فوق مقام الفراسة ، لأن الفراسة ربما وقعت نادرة ، واستصعبت على صاحبها وقتا ، أو استعصت عليه ، والإلهام لا يكون إلا في مقام عتيد . قلت : التحديث أخص من الإلهام ، فإن الإلهام عام للمؤمنين بحسب إيمانهم ، فكل مؤمن قد ألهمه اللّه رشده الذي حصل له به الإيمان . فأما التحديث : فالنبي ( قال فيه : « إن يكن في هذه الأمة أحد فعمر » « 2 » يعني من المتحدثين . فالتحديث إلهام خاص ، هو الوحي إلى غير الأنبياء إما من المكلفين ، كقوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [ القصص : 7 ] ، وقوله : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي [ المائدة : 111 ] وإما من غير المكلفين ، كقوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [ النحل : 68 ] ، فهذا كله وحي إلهام . فصل قال : وهو على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : نبأ يقع وحيا قاطعا مقرونا بسماع . إذ مطلق النبأ الخبر الذي له شأن .
--> ( 1 ) الترمذي ( 3483 ) في الدعوات ، باب : ( 70 ) وقال : « غريب » . ( 2 ) سبق تخريجه ص ( 5 ) رقم ( 2 ) .