ابن قيم الجوزية
86
البدائع في علوم القرآن
العلماء ، حتى عدّ ألف بواحد . فانظر إلى فهم ابن عباس ، وقد سأله عمر ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وما خص به ابن عباس من فهمه منها « أنها نعي اللّه سبحانه نبيه إلى نفسه وإعلامه بحضور أجله » « 1 » ، وموافقة عمر له على ذلك ، وخفائه عن غيرهما من الصحابة ، وابن عباس إذ ذاك أحدثهم سنا ، وأين تجد في هذه السورة الإعلام بأجله ، لولا الفهم الخاص ؟ ويدق هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس ، فيحتاج مع النص إلى غيره ، ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه مثال الذين يظنون النقص بالشريعة ، وأما في حق صاحب الفهم فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها . فصل المرتبة السادسة : مرتبة البيان العام . وهو تبين الحق وتمييزه من الباطل بأداته وشواهده وأعلامه ، بحيث يصير مشهودا للقلب ، كشهود العين للمرئيات . وهذه المرتبة هي حجة اللّه على خلقه ، التي لا يعذب أحدا ولا يضله إلا بعد وصوله إليها ، قال اللّه تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 115 ) [ التوبة : 115 ] ، فهذا الإضلال عقوبة منه لهم ، حين بين لهم ، فلم يقبلوا ما بينه لهم ، ولم يعملوا به ، فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى ، وما أضل اللّه - سبحانه - أحدا قط إلا بعد هذا البيان . وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر ، وزالت عنك شكوك كثيرة ، وشبهات في هذا الباب ، وعلمت حكمة اللّه في إضلاله من يضله من عباده . والقرآن يصرح بهذا في غير موضع ، كقوله : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [ الصف : 5 ] ، وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [ النساء : 155 ] فالأول : كفر عناد ، والثاني : كفر طبع ، وقوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) [ الأنعام ] فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه ، بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا له . فتأمل هذا الموضع حق التأمل ، فإنه موضع عظيم . وقال تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] فهذا هدي بعد البيان والدلالة ، وهو شرط لا موجب ، فإنه إن يقترن به هدي آخر بعده لم يحصل به كمال
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير .