ابن قيم الجوزية
82
البدائع في علوم القرآن
حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد ، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها « 1 » . ولقد جاءه الوحي مرة كذلك ، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت ، فثقلت عليه حتى كادت ترضها « 2 » . الخامسة : أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها ، فيوحي إليه ما شاء اللّه أن يوحيه ، وهنا وقع له مرتين كما ذكر اللّه في سورة النجم [ النجم : 7 ، 13 ] « 3 » . السادسة : ما أوحاه اللّه وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها . السابعة : كلام اللّه له منه إليه واسطة ملك ، كما كلم اللّه موسى بن عمران « 4 » ، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعا بنص القرآن ، وثبوتها لنبينا ( هو في حديث الإسراء ؟ ) . وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة ، وهي تكليم اللّه له كفاحا من غير حجاب ، هذا على مذهب من يقول : إنه صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه تبارك وتعالى « 5 » ؟ . مراتب الهداية الخاصة والعامة والفرق بين الإلهام والوحي والتحديث المرتبة الأولى : مرتبة تكليم اللّه عز وجل لعبده يقظة بلا واسطة ، بل منه إليه . وهذه أعلى مراتبها ، كما كلم موسى بن عمران ، صلوات اللّه وسلامه على نبينا وعليه ، قال اللّه تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده ، ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلمه . وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية . ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر « كلم » وهو « التكليم » رفعا لما يتوهمه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أنه إلهام ، أو إشارة ، أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم . ؟ فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز . قال الفراء : العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما
--> ( 1 ) البخاري ( 2 ) في بدء الوحي ، باب : ( 2 ) ، ومسلم ( 2333 / 86 ) في الفضائل ، باب : عرق النبي صلى اللّه عليه وسلم في البرد وحين يأتيه الوحي . ( 2 ) البخاري ( 4592 ) في التفسير ، باب : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 95 ] . ( 3 ) مسلم ( 177 / 287 ) في الإيمان ، باب : معنى قول اللّه عز وجل : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [ النجم : 13 ] . ( 4 ) يشير المصنف إلى قوله تعالى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء ] . ( 5 ) زاد المعاد ( 1 / 77 - 80 ) .