ابن قيم الجوزية

53

البدائع في علوم القرآن

وهي تفرقة وإن كانت لا تنكر ، لكنها قد تخفى على أجيال يلبس عليها دينها ويشوش فكرها بحجة لامكان للدين في الحقل العلمي والمعملي المعاصر ، وتفهيمهم أن الدين هو عبادات داخل المسجد فقط ولا علاقة له بالدنيا ، ولامكان له بالخارج ، وهو لحية كثة وقميص قصير ومسبحة طويلة . . . فهو - عندهم - « دروشة » فأكثر منها إن شئت أودع . ففصلوا بين الدين والدنيا ، بين القرآن والسنة ، والحكم وواقع الناس . فالإعجاز العلمي كان ولا يزال وسوف يستمر إلى ميراث اللّه الأرض ومن عليها « ذلكم أن كتابا أنزل قبل أربعة عشر قرنا من الزمان وعرض لكثير من مظاهر هذا الوجود الكونية كخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان . . . ومع ذلك كله لم يسقط العلم كلمة من كلماته ولم يصادم جزئية من جزئياته ، فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا بحد ذاته يعتبر إعجازا علميا للقرآن . هذه النتيجة المتولدة على أن القرآن لم ولن يصادم حقيقة علمية لم أر بين علماء المسلمين من أنكرها لا في القديم ولا في الحديث ، وكل ما يثار من ضجة وما يسطر في الصحف ما هو إلّا عن التفسير العلمي لا عن الإعجاز العلمي » ( 2 / 600 - 601 ) المصدر نفسه . فاللّه عزّ وجلّ لا تخفى عليه خافية ، ولا يكون إلّا ما أراد وقدر وقضى ، فهو خالق كل صانع وصنعته فهو أنزل القرآن وعلمه ، وخلق الإنسان وعقله ، وقرآنه هو الدال عليه سبحانه ، وهو كتابه المقروء والكون كتابه المنظور . فهذا كتاب بيان وهدى يدلك أن الكون له خالق واحد لا إله إلّا هو الرحمن الرحيم . ونبهنا في القرآن على ما في كثير من الكون من آيات يراها الناس بين الحين والآخر ليزدادوا إيمانا وتسليما حين يرون إعجاز القرآن العلمي ، وهذا ينفع المؤمنين مع إيمانهم وتصديقهم أصلا بالقرآن ، وإلّا فأكثر هذه الإعجازات العلمية أظهرت على أيدي غير مؤمنين فلم تنفعهم شيئا وكانت حجة عليهم لا لهم . فالعبرة بالإيمان والتصديق أن القرآن حق ، ثم تأتي الآيات الكونية لنرى في أنفسنا والآفاق ما يزيدنا إيمانا ويتبين لنا أنه الحق . واللّه أعلم وبه أؤمن وله أسلم وأسأله أن يتوفاني على ما توفى عليه عباده الصالحين . ثانيا : « ابن القيم والتفسير العلمي » بعد بيان الفرق بين التفسير العلمي ، والإعجاز العلمي للقرآن ، نستطيع أن نقف - بعون اللّه - على موقف ابن القيم رحمه اللّه تعالى من الأمرين وهو ما يأتي في الكلام على منهجه رحمه اللّه تعالى .