ابن قيم الجوزية

47

البدائع في علوم القرآن

9 - وإني أتبع قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى في أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم بيّن القرآن للصحابة ، وأن الصحابة والتابعين فسروا القرآن كله . فإذا لا عجب أن نرى استحضار ابن القيم لآراء الصحابة رضي اللّه عنهم عن تفسيره ، وهو لا ينقل فقط ، بل يرجح وينقح بين آرائهم ، مثلا انظر تفسيره لمعنى « اللمم » الآية ( 32 : النجم ) في ( 4 / 301 ) من بدائع التفسير ، وينقد من يخالف أقوالهم وبشدة كما عند تفسيره « للطائر » من قوله تعالى الآية ( 13 ) الإسراء . يقول : « هذه طريقة لكم معروفة في تحريف الكلم عن مواضعه ، سلكتموها في الجسم والطبع والعقل وهذا لا يعرفه أهل اللغة وهو خلاف حقيقة اللفظ وما فسره به أعلم الأمة بالقرآن ، ولا يعرف ما قلتموه عن أحد من سلف الأمة . . . » ( شفاء العليل : 61 ) وهذا سيصادف القارئ كثيرا وإذا ثبت النقل عنهم فإنك تراه لا يحيد عن قولهم رضي اللّه عنهم . مسألة لقد اعتراني كثير من التحير في مسألة « تفسير النبي صلى اللّه عليه وسلم » من ناحية كيف يصح شيء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم يعدل بعض المفسرين عنه أو ذكر ما يعارضه ، حتى ولم يتفق معنا بعض الباحثين في تفسير النبي صلى اللّه عليه وسلم للقرآن ، لكن لا يخرج الأمر عن بيان المجمل في الكتاب ، كالصلوات وهيئاتها مثلا . فكل ما ورد عنه في هذا الباب تفسير للقرآن ، فالسنة مفسرة للقرآن ومبينة وموضحة له . ومما يؤيد ذلك ما صح عن الصحابة رضي اللّه عنهم في طريقة تعلمهم للقرآن على يد النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث ذكر غير واحد من الصحابة كابن مسعود وعثمان بن عفان وزيد وابن عمر ، كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يتجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، فتعلموا القرآن والإيمان معا ، علما وعملا . ولكن لا يشترط لصحة ما ذكرنا أن الصحابة سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم عن كل كلمة من القرآن ، لأنهم أهل اللسان الذي نزل به ، وأفهامهم أنقى الفهوم وأصفى أفئدة ، فلم يكونوا بحاجة لمثل هذا التفصيل ، مع ورود ما يشبهه عنهم مثل بيانه صلى اللّه عليه وسلم معنى الظلم في الآية ( 82 ) من الأنعام . وهكذا . لكن اعتراضنا على من صح عنده كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم يعدل عنه ، وليس هذا إلّا كصنيع بعض الفقهاء في ترك السنة لأقوال شيخهم ، وهذا فصّلناه في كتاب « جامع الفقه » « 1 » .

--> ( 1 ) وسوف أضع بابا في موضوع تفسير النبي صلى اللّه عليه وسلم ضمن « معجم علوم القرآن » بحول اللّه وقوته .