ابن قيم الجوزية
196
البدائع في علوم القرآن
فعلى هذا يكون في القبلة نسخان ، نسخ سنة بسنة ، ونسخ سنة بقرآن ، وقد بين حديث ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة ، فروي عنه من طرق صحاح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا صلى بمكة استقبل بيت المقدس وجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس « 1 » ، فلما كان صلى اللّه عليه وسلم يتحرى القبلتين جميعا لم يبن توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة ، ولذلك - واللّه أعلم - قال اللّه تعالى في الآية الناسخة : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 150 ] ، أي من أي جهة جئت إلى الصلاة وخرجت إليها فاستقبل الكعبة مستدبرا بيت المقدس أو لم تكن ، لأنه كان بمكة يتحرى في استقباله بيت المقدس أن تكون الكعبة بين يديه . قال وتدبر قوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ وقال لأمته : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 150 ] ، ولم يقل : « حيث ما خرجتم » ، وذلك لأنه صلى اللّه عليه وسلم كان إمام المسلمين ، فكان يخرج إليهم في كل صلاة ليصلي بهم ، وكان ذلك واجبا عليه إذ كان الإمام المقتدى به ، فأفاد ذكر الخروج في خاصته هذا المعنى ولم يكن غيره هكذا يقتضي الخروج ، ولا سيما النساء ومن لا جماعة عليه . قلت : ويظهر في هذا معنى آخر وهو أن قوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [ البقرة : 150 ] ، خطاب عام له ولأمته ، يقتضي أمرهم بالتوجه إلى المسجد الحرام في أي موضع كانوا من الأرض وقوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ خطاب بصيغة الإفراد والمراد هو والأمة كقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [ الأحزاب : 1 ] ، ونظائره . وهو يفيد الأمر باستقبالها من أي جهة ومكان خرج منه وقوله : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ يفيد الأمر باستقبالها في أي موضع استقر فيه وهو تعالى لم يقيد الخروج بغاية ، بل أطلق غايته كما عم مبدأه ، فمن حيث خرج إلى أي مخرج كان من صلاة أو غزو أو حج أو غير ذلك فهو مأمور باستقبال المسجد هو والأمة ، وفي أي بقعة كانوا من الأرض فهو مأمور هو والأمة باستقباله . فتناولت الآيتان أحوال الأمة كلها ، في مبدأ تنقلهم من حيث خرجوا وفي غايته إلى حيث انتهوا وفي حال استقرارهم حيثما كانوا ، فأفاد ذلك عموم الأمر بالاستقبال في الأحوال الثلاث التي لا ينفك منها العبد ، فتأمل هذا المعنى ووازن بينه وبين ما أبداه أبو
--> ( 1 ) راجع تفسير الطبري ( 2 / 19 ) .