ابن قيم الجوزية

194

البدائع في علوم القرآن

ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا : أردد حكامنا كالأولين ومسراتنا كالابتداء وابن أورشليم قرية قدسك وأعزنا بابتنائها سبحانك يا باني يورشليم . فهذا قولهم في صلاتهم مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السّلام لم يقولا شيئا من ذلك ولكنها فصول لفقوها بعد زوال دولتهم . وكذلك صيامهم كصوم إحراق بيت المقدس ، وصوم أحصا وصوم كدليا التي جعلوها فرضا لم يصمها موسى ، ولا يوشع بن نون ، وكذلك صوم صلب هامان ، ليس شيء من ذلك في التوراة ، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم . هذا مع أن في التوراة ما ترجمته : لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا ، ولا تنقصوا منه شيئا « 1 » . حكم نسخ القرآن بالسنة قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة » « 2 » : هذا الحكم متفق عليه بين الأمة ، حتى عند من قال : إن الزيادة على النص نسخ « 3 » ، والقرآن لا ينسخ بالسنة ، فإنه اضطر إلى قبول هذا الحكم وإن كان زائدا على ما في القرآن ، سواء سماه نسخا أو لم يسمه . كما اضطر إلى تحريم الجمع بين المرأة وعمتها ، وبينها وبين خالتها ، مع أنه زيادة على نص القرآن ، وذكرها هذا مع حديث أبي القعيس في تحريم لبن الفحل على أن المرضعة والزوج صاحب اللبن قد صارا أبوين للطفل ، وصار الطفل ولدا لهما ، فانتشرت الحرمة من هذه الجهات الثلاث ، فأولاد الطفل وإن نزلوا أولاد ولدهما ، وأولاد كل واحد من المرضعة والزوج من الآخر ومن غيره ، إخوته وأخواته من الجهات الثلاث ، فأولاد أحدهما من الآخر إخوته وأخواته لأبيه وأمه ، وأولاد الزوج من غيرها إخوته وأخواته من أبيه ، وأولاد المرضعة من غيره إخوته وأخواته لأمه ، وصار آباؤها أجداده وجداته ، وصار إخوة المرأة وأخواتها أخواله وخالاته ، وإخوة صاحب اللبن وأخواته أعمامه وعماته فحرمة الرضاع تنتشر من هذه الجهات الثلاث فقط « 4 » .

--> ( 1 ) إغاثة اللهفان [ 2 / 327 ، 326 ] . ( 2 ) البخاري ( 5099 ) في النكاح ، باب : وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النساء : 23 ] ، ومسلم ( 1444 / 2 ) في الرضاع ، باب : يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة . ( 3 ) انظر ما كتبناه في المقدمة عن مسألة النسخ . ( 4 ) زاد المعاد ( 5 / 556 ) .