ابن قيم الجوزية
189
البدائع في علوم القرآن
الرابع عشر : التصريح بلفظ « الأين » ، الذي هو عند الجهمية بمنزلة « متى » في الاستحالة ، ولا فرق بين اللفظين عندهم البتة ، فالقائل : أين اللّه ؟ ومتى كان اللّه ؟ عندهم سواء ، كقول أعلم الخلق به ، وأنصحهم لأمته وأعظمهم بيانا عن المعنى الصحيح ، بلفظ لا يوهم باطلا بوجه : « أين اللّه ؟ » « 1 » في غير موضع . الخامس عشر : شهادته - التي هي أصدق شهادة عند اللّه وملائكته وجميع المؤمنين - لمن قال : إن ربه في السماء بالإيمان ، وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر ، وصرح الشافعي بأن هذا الذي وصفته - من أن ربها في السماء - إيمان ، فقال في كتاب في باب : عتق الرقبة المؤمنة ، وذكر حديث الأمة - السوداء التي سودت وجوه الجهمية ، وبيضت وجوه المحمدية - فلما وصفت الإيمان قال : « أعتقها ، فإنها مؤمنة » ، وهي إنما وصفت كون ربها في السماء ، وأن محمدا عبده ورسوله ، فقرنت بينهما في الذكر ، فجعل الصادق المصدق مجموعها هو الإيمان . السادس عشر : إخباره - سبحانه - عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى ، فيكذبه فيما أخبره به من أنه فوق السماوات ، فقال : يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ( 36 ) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً ( 37 ) [ غافر : 36 ، 37 ] ، فكذب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق السماء . وعند الجهمية : لا فرق بين الإخبار بذلك ، وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب ، وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزه الرب عما لا يليق به ، وكذب موسى في إخباره بذلك ، إذ من قال عندهم : إن ربه فوق السماوات فهو كاذب ، فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون ، مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء . ولذلك سماهم أئمة السنة : فرعونية ، قالوا : وهم شر من الجهمية ، فإن الجهمية يقولون : إن اللّه في كل مكان بذاته ، وهؤلاء عطلوه بالكلية ، وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض . فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجه ، كان قولهم خيرا من قولهم . السابع عشر : إخباره صلى اللّه عليه وسلم أنه تردد بين موسى ، وبين اللّه ، ويقول له موسى : « ارجع إلى ربك ، فسله التخفيف » « 2 » ، فيرجع إليه ثم ينزل إلى موسى ، فيأمره بالرجوع إليه - سبحانه -
--> ( 1 ) يشير إلى حديث معاوية بن الحكم السلمي وصفعه لجاريته فأراد أن يعتقها فأتى بها النبي صلى اللّه عليه وسلم فسألها : « أين اللّه ؟ » قالت : في السماء ، قال من أنا ، قالت : أنت رسول اللّه . . . إلخ . أخرجه مسلم ( 836 ) في المساجد ، ورواه غير واحد من أئمة الحديث . ( 2 ) مسلم ( 162 / 259 ) في الإيمان ، باب : الإسراء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات .