ابن قيم الجوزية
185
البدائع في علوم القرآن
وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) [ ق ] ، وقوله : فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ [ الأعراف : 57 ] ، وقوله : فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ [ المؤمنون : 19 ] ، وقوله : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [ التوبة : 14 ] ، وقوله في العسل : فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [ النحل : 69 ] ، وقوله في القرآن : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الإسراء : 82 ] ، إلى أضعاف أضعاف ذلك من النصوص المثبتة للسببية ، فردوا ذلك كله بالمتشابه من قوله : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ فاطر : 3 ] ، وقوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، وقوله النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما حملتكم ، ولكن اللّه حملكم » « 1 » ونحو ذلك . وقوله : « إني لا أعطي أحدا ، ولا أمنعه » « 2 » ، وقوله للذي سأله عن العزول عن أمته : « اعزل عنها ، فسيأتيها ما قدر لها » « 3 » ، وقوله : « لا عدوى ولا طيرة » « 4 » ، وقوله : « فمن أعدى الأول ؟ » « 5 » ، وقوله : « أرأيت إن منع اللّه الثمرة » « 6 » ، ولم يقل : منعها البرد والآفة التي تصيب الثمار ، ونحو ذلك من المتشابه الذي إنما يدل على أن مالك السبب وخالقه يتصرف فيه ، بأن يسلبه سببيته إن شاء ، ويبقيها عليه إن شاء ، كما سلب النار قوة الإحراق عن الخليل عليه السّلام . ويا للّه العجب أترى من أثبت الأسباب ، وقال : إن اللّه خالقها أثبت خالقا غير اللّه ؟ ! وأما قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] فغاب عنهم فقه الآية وفهمها ، والآية من أكبر معجزات النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والخطاب بها خاص لأهل بدر ، وكذلك القبضة التي رمي بها النبي صلى اللّه عليه وسلم فأوصلها اللّه - سبحانه - إلى جميع وجوه المشركين ، وذلك خارج عن قدرته صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الرمي الذي نفاه عنه ، وأثبت له الرمي الذي هو في محل قدرته وهو الحذف . وكذلك القتل الذي نفاه عنهم ، هو قتل لم تباشره أيديهم ، وإنما باشرته أيدي الملائكة ، فكان أحدهم يشتد في أثر الفارس ، وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك .
--> ( 1 ) البخاري ( 6623 ) في الأيمان والنذور ، باب : قول اللّه تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [ المائدة : 89 ] . ( 2 ) البخاري ( 844 ) في الأذان ، باب : الذكر بعد الصلاة . ( 3 ) مسلم ( 1439 / 134 ) في النكاح ، باب : حكم العزل . ( 4 ) البخاري ( 5775 ) في الطب ، باب : لا عدوى ، ومسلم ( 2220 / 101 ) في السلام ، باب : لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول ولا يورد ممرض على مصح . ( 5 ) البخاري ( 5775 ) في الطب ، باب : لا عدوى ، ومسلم ( 2220 / 101 ) في السلام ، باب : لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول ولا يورد ممرض على مصح . ( 6 ) النسائي ( 4526 ) في البيوع ، باب : شراء الثمار قبل أن يبدو صلاحها على أن يقطعها ولا يتركها إلى أوان إدراكها .