ابن قيم الجوزية
176
البدائع في علوم القرآن
الآخرة ، لم ينفعهن اتصالهن برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما لم ينفع امرأتا نوح ولوط اتصالهما بهما ، ولهذا إنما ضرب في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة . قال يحيى بن سلام : ضرب اللّه المثل الأول يحذر عائشة وحفصة ، ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة ، وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضا اعتبار آخر وهو أنها لم يضرها عند اللّه شيئا قذف أعداء اللّه اليهود لها ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهما اللّه عنه ، مع كونها الصديقة المصطفاة على نساء العالمين ، فلا يضر الرجل الصالح قدح الفجار والفساق فيه . وفي هذا تسلية لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك ، وتوطين نفسها على ما قال الكاذبون إن كانت قبلها ، كما في ذكر التمثيل بامرأتي نوح ولوط تحذير لها وحفصة مما اعتمدتاه في حق النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فتضمنت هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف ، والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكذب عليه ، وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه ، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون . مثل في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره ومنها قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) [ المدثر ] ، شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرماة ، ففرت منه ، وهذا من بديع القياس والتمثيل ، فإن القوم في جهلهم بما بعث اللّه به رسوله كالحمر ، وهي لا تعقل شيئا ، فإذا سمعت صوت الأسد ، أو الرامي نفرت منه أشد النفور ، وهذا غاية الذم لهؤلاء ، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم ، وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها . وتحت المستنفرة معنى أبلغ من النافرة ، فإنها لشدة نفورها ، قد استنفر بعضها بعضا ، وحضه على النفور ، فإن في الاستفعال من الطلب قدرا زائدا على الفعل المجرد . فكأنها تواصت بالنفور ، وتواطأت عليه ، ومن قرأها بتفتح الفاء « 1 » فالمعنى : أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته .
--> ( 1 ) قرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم : ( مستنفرة ) بفتح الفاء ، والباقون بكسر الفاء ، انظر السبعة في القراءات لابن مجاهد .