ابن قيم الجوزية

148

البدائع في علوم القرآن

قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) [ آل عمران ] ، هذا مثل ضربه اللّه تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته ، فشبه - سبحانه - ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر ، وكسب الثناء وحسن الذكر ، لا يبتغون به وجه اللّه ، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل اللّه واتباع رسله ، بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره ، فأصابته ريح شديدة البرد جدا يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار ، فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته . واختلف في الصر ، فقيل : البرد الشديد ، وقيل : النار ، قاله ابن عباس . قال ابن الأنباري : وإنما وصفت النار بأنها صر لتصريتها عند الالتهاب . وقيل : الصر : الصوت الذي يصحب الريح من شدة هبوبها . والأقوال الثلاثة متلازمة ، فهو برد شديد محرق بيبسه للحرث ، كما تحرقه النار ، وفيه صوت شديد : وفي قوله : أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ تنبيه على أن سبب إصابتها لحرثهم : هو ظلمهم ، فهو الذي سلط عليهم الريح المذكورة ، حتى أهلكت زرعهم وأيبسته ، فظلمهم هو الريح التي أهلكت أعمالهم ، ونفقاتهم ، وأتلفتها . مثل فيمن انسلخ من آيات الله ومنها قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 176 ) [ الأعراف ] ، فشبه - سبحانه - من آتاه كتابه ، وعلمه العلم الذي منعه غيره ، فترك العمل به ، واتبع هواه ، وآثر سخط اللّه على رضاه ، ودنياه على آخرته ، والمخلوق على الخالق ، بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات وأوضعها قدرا وأخسها نفسا . وهمته لا تتعدى بطنه ، وأشدها شرها وحرصا ، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض ، يتشمم ويستروح حرصا وشرها ، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه ، وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته ، وهو من أمهن الحيوانات ، وأحملها للهوان ، وأرضاها بالدنيا ، والجيف القذرة المروحة « 1 » أحب إليه من اللحم الطري ، والعذرة أحب

--> ( 1 ) راح الشيء ، وأروح : أنتن .