ابن قيم الجوزية
136
البدائع في علوم القرآن
كلهم - إلا من شاء اللّه - يظنون باللّه غير الحق ظن السوء ، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ، ناقص الحظ وأنه يستحق فوق ما أعطاه اللّه ، ولسان حاله يقول : ظلمني ربي ، ومنعني ما أستحقه ، ونفسه تشهد عليه بذلك ، وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به ، ومن فتش نفسه ، وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها ، رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد ، فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده ، ولو فتشت من فتشته ، لرأيت عنه تعتبا على القدر وملامة له ، واقتراحا عليه خلاف ما جرى به ، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا ، فمستقل ومستكثر ، وفتش نفسك ، هل أنت سالم من ذلك ؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة * وإلا فإني لا إخالك ناجيا فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع ، وليتب إلى اللّه تعالى وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء ، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء ، ومنبع كل شر ، المركبة على الجهل والظلم ، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين ، وأعدل العادلين ، وأرحم الراحمين ، الغني الحميد ، الذي له الغنى التام ، والحمد التام ، والحكمة التامة ، والمنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته ، وأفعاله وأسمائه ، فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه ، وصفاته كذلك ، وأفعاله كذلك ، كلها حكمة ومصلحة ، ورحمة وعدل ، وأسماؤه كلها حسنى . والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله : وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [ آل عمران : 154 ] ، ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل ، وهو قولهم : هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [ آل عمران : 154 ] ، وقولهم : لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [ آل عمران : 154 ] ، فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر ، ورد الأمر كله إلى اللّه ، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه ، ولما حسن الرد عليه بقوله : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [ آل عمران : 154 ] ، ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية ، ولهذا قال غير واحد من المفسرين : إن ظنهم الباطل هاهنا : هو التكذيب بالقدر ، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه تبعا لهم يسمعون منهم ، لما أصابهم القتل ، ولكان النصر والظفر لهم ، فأكذبهم اللّه عز وجل في هذا الظن الذي هو ظن الجاهلية ، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء ، فأكذبهم اللّه بقوله : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ، فلا يكون إلا ما سبق به قضاءه وقدره ، وجرى به علمه وكتابه السابق ، وما شاء اللّه كان ولا بد ، شاء الناس أم أبوا ، وما لم يشأ لم يكن ، شاءه الناس أم لم يشاءوه ، وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل ، فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى