ابن قيم الجوزية
131
البدائع في علوم القرآن
ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم ، وليس المراد غمين اثنين خاصة ، بل غما متتابعا لتمام الابتلاء والامتحان . الثالث : أن قوله : « بغم » ، من تمام الثواب ، لا أنه سبب جزاء الثواب ، والمعنى : أثابكم غمّا متصلا بغم ، جزاء على ما وقع منهم من الهروب وإسلامهم نبيهم صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وترك استجابتهم له وهو يدعوهم ، ومخالفتهم له في لزوم مركزهم ، وتنازعهم في الأمر ، وفشلهم ، وكل واحد من هذه الأمور يوجب غما يخصه ، فترادفت عليهم الغموم كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها ، ولولا أن تداركها بعفوه ، لكان أمرا آخر ، ومن لطفه بهم ، ورأفته ، ورحمته ، أن هذه الأمور التي صدرت منهم ، كانت من موجبات الطباع ، وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة ، فقيض لهم بلطفه أسبابا أخرجها من القوة إلى الفعل ، فترتب عليها آثارها المكروهة ، فعلموا حينئذ أن التوبة منها والاحتراز من أمثالها ، ودفعها بأضدادها أمر متعين ، لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به ، فكانوا أشد حذرا بعدها ، ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها : وربّما صحّت الأجسام بالعلل « 1 » ثم إنه تداركهم - سبحانه - برحمته ، وخفف عنهم ذلك الغم ، وغيبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنا منه ورحمة ، والنعاس في الحرب علامة النصرة والأمن ، كما أنزله عليهم يوم بدر ، وأخبر أن من لم يصبه ذلك النعاس ، فهو ممن أهمّته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه ، وأنهم يظنون باللّه غير الحق ظن الجاهلية ، وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق باللّه ، بأنه سبحانه لا ينصر رسوله ، وأن أمره يضمحل ، وأنه يسلمه للقتل ، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره ، ولا حكمة له فيه ، ففسر بإنكار الحكمة ، وإنكار القدر ، وإنكار أن يتم أمر رسوله ويظهره على الدين كله ، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في « سورة الفتح » ، حيث يقول : وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 6 ) [ الفتح ] ، وإنما كان هذا ظن السوء ، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل ، وظن غير الحق ، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى ، وصفاته العليا ، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء ، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده ، وتفرده بالربوبية
--> ( 1 ) عجز بيت للمتنبي ، وصدره : لعلّ عتبك محمود عواقبه