ابن قيم الجوزية

121

البدائع في علوم القرآن

فواتح السور بيان دلالات فواتح السور وعظم شأنها قوله تعالى : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ( 1 ) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) [ القلم ] : الصحيح أن « ن » و « ق » و « ص » من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب - سبحانه - بعض السور ، وهي أحادية ، وثنائية ، وثلاثية ، ورباعية ، وخماسية ، ولم تجاوز الخمسة ، ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن ، إما مقسما به ، وإما مخبرا عنه ، ما خلا سورتين : سورة « كهيعص ، ون » . كقوله : ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ [ البقرة ] ، ألم ( 1 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ [ آل عمران ] ، المص ( 1 ) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ [ الأعراف ] الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ( 1 ) [ الرعد ] وهكذا إلى آخره . ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف ، وعظم قدرها ، وجلالتها ، إذ هي مباني كلامه وكتبه ، التي تكلم سبحانه بها ، وأنزلها على رسله ، وهدى بها عباده ، وعرفهم بواسطتها نفسه ، وأسماءه ، وصفاته ، وأفعاله ، وأمره ، ونهيه ، ووعيده ، ووعده ، وعرفهم بها الخير والشر ، والحسن ، والقبيح ، وأقدرهم على التكلم بها ، بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم ، بأسهل طريق ، وقلة كلفة ومشقة ، وأوصله إلى المقصود ، وأدله عليه . وهذا من أعظم نعمه عليهم ، كما هو من أعظم آياته . ولهذا عاب - سبحانه - على من عبد إلها لا يتكلم ، وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم . فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته ، وكمال إحسانه وإنعامه ، فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار ، والشمس والقمر ، والسماء والنجوم ، وغيرها من المخلوقات . فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته ، وحكمته وكماله ، وكلامه ، وصدق رسله . وقد جمع - سبحانه - بين الأمرين - أعني القرآن ونطق اللسان - وجعل تعليمهما من تمام نعمته وامتنانه . كما قال : الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ [ الرحمن : 1 - 4 ] ، فهذه الحروف علم القرآن ، وبها علم البيان ، وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان ، وبها أنزل كتبه ، وبها أرسل رسله ، وبها جمعت العلوم وحفظت ، وبها