ابن قيم الجوزية
119
البدائع في علوم القرآن
فكيف ندعو أحدا إلى عبادتنا ؟ أي إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة غير اللّه تعالى ، فكيف يدعون غيرهم إلى عبادتهم ؟ وهذا جواب الفراء . وقال الجرجاني : هذا بالتدريج يصير جوابا للسؤال الظاهر ، وهو أن من عبد شيئا فقد تولاه ، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليا للعابد . يدل على هذا قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ [ سبأ : 40 ، 41 ] فدل على أن العابد يصير وليا للمعبود . ويصير المعنى كأنهم قالوا : ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا أولياء ، وأن تتخذ من دونك وليا يعبدنا ، وهذا بسط لقول ابن عباس في هذه الآية . قال : يقولون : ما توليناهم ، ولا أحببنا عبادتهم . قال : ويحتمل أن يكون قولهم : ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ [ الفرقان : 18 ] أن يريدوا معشر العبيد ، لا أنفسهم . أي نحن وهم عبيدك ، ولا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء . ولكنهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم تواضعا منهم . كما يقول الرجل لمن أتى منكرا : ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا ، أي أنت مثلي عبد محاسب ، فإذا لم يحسن من مثلي أن يفعل هذا لم يحسن منك أيضا . قال : ولهذا الإشكال قرأ من قرأ : ( نتّخذ ) بضم النون : وهذه القراءة أقرب في التأويل . لكن قال الزجاج : هذه القراءة خطأ ، لأنك تقول : ما اتخذت من أحد وليّا ، ولا يجوز : ما اتخذت أحدا من ولي ، لأن « من » إنما دخلت لأنها تنفي واحدا من معنى جميع . تقول : ما من أحد قائما ، وما من رجل محبا لما يضره ، ولا يجوز : ما رجل من محب لما يضره . قال : ولا وجه عندنا لهذا البتة ، ولو جاز هذا لجاز في : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) [ الحاقة ] : ما أحد عنه من حاجزين . فلو لم تدخل « من » لصحت هذه القراءة . قال صاحب النظم : العلة في سقوط هذه القراءة : أن « من » لا تدخل إلا على مفعول لا مفعول دونه ، فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول « من » ، كقوله : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ [ مريم : 35 ] ، فقوله مِنْ وَلَدٍ لا مفعول دونه سواه ، ولو قال : ما كان للّه أن يتخذ أحدا من ولد ، لم يحسن فيه دخول « من » لأن فعل الاتخاذ مشغول بأحد . وصحح آخرون هذه القراءة لفظا ومعنى ، وأجروها على قواعد العربية . قالوا : وقد قرأ بها من لا يرتاب في فصاحته ، فقرأ بها زيد بن ثابت ، وأبو الدرداء ، وأبو جعفر ، ومجاهد ، ونصر بن علقمة ، ومكحول ، وزيد بن علي ، وأبو رجاء ، والحسن ،