ابن قيم الجوزية
115
البدائع في علوم القرآن
القراءات القراءة بالأحرف السبعة وغيرها لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق ، بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإمام ، وصحت في العربية ، وصح سندها ، جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقا ، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والصحابة بعده جازت القراءة بها ولم تبطل بها ، على أصح الأقوال « 1 » . الجمع بين القراءات وكذلك « 2 » : أن صاحبها ينبغي أن يستحب للمصلي والتالي أن يجمع بين القراءات المتنوعة في التلاوة في الصلاة وخارجها ، قالوا : ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عبادة وتدبر ، وإنما يفعل ذلك القراء أحيانا ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع القراءات ، وإحاطته بها واستحضاره إياها ، والتمكن من استحضارها عند طلبها ، فذلك تمرين وتدريب لا تعبد مستحب لكل تال وقارئ ، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه ، بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأي حرف شاء ، وإن شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة جاز ذلك ، وكذلك الداعي إذا قال : « ظلمت نفسي ظلما كثيرا » مرة ، ومرة قال « كبيرا » جاز ذلك . وكذلك الداعي إذا صلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم مرة بلفظ هذا الحديث ، ومرة بلفظ الآخر ، وكذلك إذا تشهد ، فإن شاء تشهد بتشهد ابن مسعود ، وإن شاء بتشهد ابن عباس ، وإن شاء بتشهد ابن عمر ، وإن شاء بتشهد عائشة رضي اللّه عنهم أجمعين . وكذلك في الاستفتاح إن شاء استفتح بحديث علي ، وإن شاء بحديث أبي هريرة ، وإن شاء باستفتاح عمر ، وإن شاء فعل هذا مرة وهذا مرة وهذا مرة ، وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع إن شاء قال : « اللهم ربنا لك الحمد » ، وإن شاء قال : « ربنا لك الحمد » ، وإن شاء قال « ربنا ولك الحمد » . ولا يستحب لأحد أن يجمع بين ذلك كله .
--> ( 1 ) إعلام الموقعين ( 4 / 327 ) . ( 2 ) في الرد على بعض المتأخرين من القائلين باستحباب الجمع بين القراءات .