ابن قيم الجوزية

108

البدائع في علوم القرآن

وقد أنزل اللّه تعالى فيهم ما قد علمت ، فكيف ترى فيه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أرضعيه » فأرضعته خمس رضعات ، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة ، فبذلك كانت عائشة رضي اللّه عنها تأمر بنات إخوتها ، وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة رضي اللّه عنها أن يراها ويدخل عليها ، وإن كان كبيرا ، خمس رضعات ، ثم يدخل عليها ، وأبت ذلك أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة من الناس حتى يرضع في المهد ، وقلن لعائشة : واللّه ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي صلى اللّه عليه وسلم لسالم دون الناس « 1 » . المعوذتين قال ابن عباس وعائشة : كان غلام من اليهود يخدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدنا إليه اليهود ، فلم يزالوا حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى اللّه عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود ، فسحروه فيها ، وتولى ذلك لبيد بن الأعصم - رجل من اليهود - فنزلت هاتان السورتان فيه « 2 » . قال البغوي : وقيل كانت مغروزة بالدبر ، فأنزل اللّه عز وجل هاتين السورتين ، وهما أحد عشر آية : سورة الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات ، فكلما قرأ آية انحلت عقدة ، حتى انحلت العقد كلها ، فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم كأنما أنشط من عقال . قال : وروي أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاثة أيام ، فنزلت المعوذتان « 3 » . ما نزل من القرآن بموافقة عمر رضي اللّه عنه قد كان أحدهم « 4 » يرى الرأي ، فينزل القرآن بموافقته ، كما رأى عمر في أسرى بدر أن تضرب أعناقهم ، فنزل القرآن بموافقته ، ورأى أن تحجب نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم فنزل القرآن بموافقته ، ورأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى ، فنزل القرآن بموافقته ، وقال لنساء النبي صلى اللّه عليه وسلم لما اجتمعن في الغيرة عليه : عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ [ التحريم : 5 ] ، فنزل القرآن بموافقته ، ولما توفي عبد اللّه بن أبيّ قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصلي عليه ، فقام عمر ، فأخذ بثوبه ، فقال : يا رسول اللّه ، إنه منافق . فصلى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،

--> ( 1 ) مسلم ( 1453 / 29 ) في الرضاع ، باب : رضاعة الكبير . ( 2 ) ذكره ابن كثير مطولا في تفسيره عن الثعلبي ، وقال ابن كثير : هكذا أورده بلا إسناد ، وفيه غرابة ، وفي بعض نكارة شديدة . . . تفسير ابن كثير ( 8 / 538 ) لكن قصة سحره صلى اللّه عليه وسلم ثابتة صحيحة ، في البخاري وغيره ، كما سيأتي . ( 3 ) بدائع الفوائد ( 2 / 224 ) . ( 4 ) أي الصحابة رضي اللّه عنهم .