ابن قيم الجوزية
10
البدائع في علوم القرآن
ثم تأمل قوله تعالى وَيَأْبَى اللَّهُ لتعلم وتتيقن أن الدين منتصر ، وأن هذا الإباء فيه ما فيه من أسماء الحق تعالى وصفاته ما لا يحصي معناه إلّا اللّه تعالى . فكيف ينهزم هذا الدين ؟ وإن تخاذل أصحابه عن نصره ؟ ! ثم تأمل معنى أَنْ يُتِمَّ فهو يتضمن الكمال المقصود في قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] . وهذا تمّ في حياته الشريفة صلى اللّه عليه وسلم ، ويتضمن أيضا الانتشار في بقاع الأرض شرقا وغربا شمالا وجنوبا ، سهلا وجبلا ، ويشمل الغني والفقير ، والقوي والضعيف ، والرجال والنساء ، كلهم يدخلون في دين اللّه تعالى ويكون الدين أحبّ إليهم من أنفسهم ، يعيشون ليرفعوا راياته وينشروا أنوار الحق فيه ، وتهون النفس استشهادا في سبيله وتراق الدماء محبة له . ثم تأمل قوله تعالى في الآية ( 33 ) لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ نرى أولا أهم أسباب الظهور : إن هذه الرسالة المحمدية على الهدى التام ، والتي بيانها في قوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] . فهو يهدي للطريقة الأقوم ، والسبيل الأعدل ، والأسدد قولا وفعلا والأصوب حكما : 1 - في العقيدة : حيث التوحيد الخالص ، والتنزيه التام للّه تعالى ، والتعظيم الكامل مع التوقير الحق الوافر له سبحانه . 2 - في الشريعة : بأقسامها من عبادات ومعاملات . . . إلخ . حيث لا تجد شيئا منها إلّا وهو صالح ومصلح للإنسان ، ولو فتشت سنين عدة ، وأرجعت بصرك مرارا ما وقفت على شرع مثل هذا الشرع ، يقود الإنسان إلى ربه بأحكم تشريع وأيسره . 3 - في الأخلاق : حيث العفة ، الطهارة ، والتزكية ، والاستقامة ، مما يصنع إنسانا يتحرك بنور اللّه إلى نور اللّه ، فهو يتكلم بطاعته ، ويفعل ما يرضي خالقه تعالى . ومع هذا يحاسب نفسه ويظن بها الظنون ، حتى لا تحرقها نار الكبر ، ولا تفتنها شهوة العجب ، بل بين الخوف والرجاء يسير ويتحرك . ولو استعرضنا بعض المعاني في قوله تعالى لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ لصنعنا مجلدة ضخمة ، ولكن من تأمل هذه الشريعة الغراء لوقف على صدق ما نقول « 1 » .
--> ( 1 ) انظر تفسير الآية للعلامة الشنقيطي في أضواء البيان ( 3 / 372 ) .