العلامة المجلسي
91
بحار الأنوار
لا تتحامل ولا تستقل بأنفسها ، فجعلت من لحم رخو تنثني ، تتداخله عظام صلاب ، يمسكه عصب وعروق تشده ويضم بعضه إلى بعض ، وغلفت ( 1 ) فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كله ، ومن أشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل من العيدان ( 2 ) وتلف بالخرق وتشد بالخيوط ويطلى فوق ذلك بالصمغ ( 3 ) فيكون العيدان بمنزلة العظام ، والخرق بمنزلة اللحم ، والخيوط بمنزلة العصب والعروق ، والطلا بمنزلة الجلد ، فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرك حدث بالاهمال من غير صانع جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميتة ، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل فبالحري أن لا يحوز في الحيوان . وفكر بعد هذا في أجساد الانعام فإنها حين خلقت على أبدان الانس من اللحم والعظم والعصب أعطيت أيضا السمع والبصر ليبلغ الانسان حاجته ، فإنها لو كانت عميا صما لما انتفع بها الانسان ، ولا تصرفت في شئ من مآربه ، ثم منعت الذهن والعقل لتذل للانسان فلا تمتنع عليه إذا كدها الكد الشديد وحملها الحمل الثقيل . فإن قال قائل : إنه قد يكون للانسان عبيد من الانس يذلون ويذعنون بالكد الشديد وهم مع ذلك غير عديمي العقل والذهن ، فيقال في جواب ذلك : إن هذا الصنف من الناس قليل ، فأما أكثر الناس فلا يذعنون بما تذعن به الدواب من الحمل والطحن وما أشبه ذلك ، ولا يغرون بما يحتاج إليه منه ، ( 5 ) ثم لو كان الناس يزاولون مثل هذه الاعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن سائر الأعمال ، لأنه كان يحتاج مكان الجمل الواحد والبغل الواحد إلى عدة أناسي فكان هذا العمل يستفرغ الناس حتى لا يكون فيهم عنه فضل لشئ من الصناعات ، مع ما يلحقهم من التعب الفادح في أبدانهم ، والضيق والكد في معاشهم . ايضاح : مدير الادوار لعل فيه مضافا محذوفا أي ذوي الادوار ، أو الاسناد مجازي
--> ( 1 ) وفي نسخة : وعليت فوق ذلك . ( 2 ) جمع العود وهي الخشب . ( 3 ) أي يلطخ فوق ذلك بالصمغ . ( 4 ) وفي نسخة : فإنها لو كانت عما صما . ( 5 ) وفي نسخة : ولا يعزون بما يحتاج إليه منه .