العلامة المجلسي

60

بحار الأنوار

البر والبحر ، والسهل والوعر ( 1 ) فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود ، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود ، حتى أنكروا خلق الأشياء ، وأدعوا أن كونها بالاهمال لا صنعة فيها ولا تقدير ، ولا حكمة من مدبر ولا صانع ، تعالى الله عما يصفون ، وقاتلهم الله أنى يؤفكون . فهم في ضلالهم وعماهم وتحيرهم بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء وأحسنه ، وفرشت بأحسن الفرش وأفخره ، واعد فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب ( 2 ) التي يحتاج إليها لا يستغنى عنها ، ووضع كل شئ من ذلك موضعه على صواب من التقدير وحكمة من التدبير فجعلوا يترددون فيها يمينا وشمالا ويطوفون بيوتها إدبارا وإقبالا ، محجوبة أبصارهم عنها ، لا يبصرون بنية الدار ( 3 ) وما أعد فيها ، وربما عثر بعضهم بالشئ الذي قد وضع موضعه واعد للحاجة إليه ، وهو جاهل بالمعنى فيه ولما أعد ولماذا جعل كذلك فتذمر وتسخط وذم الدار وبانيها فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة ، ( 4 ) فإنهم لما غربت ( 5 ) أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء صاروا يجولون في هذا العالم حيارى ، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته وحسن صنعته وصواب تهيئته ، وربما وقف بعضهم على الشئ لجهل سببه والإرب فيه فيسرع إلى ذمه ووصفه بالإحالة والخطأ ، كالذي أقدمت عليه المانوية الكفرة ، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال ، المعللين أنفسهم بالمحال ، فيحق على من أنعم الله عليه بمعرفته وهداه لدينه ، ووفقه لتأمل التدبير في صنعة الخلائق ، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التعبير بالدلالة القائمة الدالة على صانعها ، أن يكثر حمد الله مولاه على ذلك ، ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه فإنه جل اسمه يقول : لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد .

--> ( 1 ) وعر الأرض : صلب وصعب السير فيه ، ضد السهل . ( 2 ) المآرب : الحوائج . ( 3 ) وفي نسخة : هيئة الدار . ( 4 ) وفي نسخة : إثبات الصنعة . ( 5 ) في نسخة عزبت ، وفي نسخة أخرى : غبت ، وفي ثالثة : وعرت .