العلامة المجلسي
141
بحار الأنوار
ومما ينتقده الجاحدون للعمد والتقدير الموت والفناء فإنهم يذهبون إلى أنه ينبغي أن يكون الناس مخلدين في هذه الدنيا ، مبرئين من الآفات . فينبغي أن يساق هذا الامر إلى غايته فينظر ما محصوله . أفرأيت لو كان كل من دخل العالم ويدخله يبقون ولا يموت أحد منهم ألم تكن الأرض تضيق بهم حتى تعوزهم المساكن والمزارع والمعاش ؟ فإنهم والموت يفنيهم أولا أولا يتنافسون في المساكن والمزارع حتى ينشب بينهم في ذلك الحروب ويسفك فيهم الدماء ، فكيف كانت تكون حالهم لو كانوا يولدون ولا يموتون ؟ وكان يغلب عليهم الحرص والشره وقساوة القلوب ، فلو وثقوا بأنهم لا يموتون لما قنع الواحد منهم بشئ ينال ، ولا أفرج لاحد عن شئ يسأله ، ولا سلا عن شئ مما يحدث عليه ، ثم كانوا يملون الحياة وكل شئ من أمور الدنيا كما قد يمل الحياة من طال عمره حتى يتمنى الموت والراحة من الدنيا . فإن قالوا : إنه كان ينبغي أن يرفع عنهم المكاره والأوصاب حتى لا يتمنوا الموت ولا يشتاقوا إليه ، فقد وصفنا ما كان يخرجهم إليه من العتو والأشر الحامل لهم على ما فيه فساد الدين والدنيا . وإن قالوا : إنه كان ينبغي أن لا يتوالدوا كيلا تضيق عنهم المساكن والمعاش قيل لهم : إذا كان يحرم أكثر هذا الخلق دخول العالم والاستمتاع بنعم الله ومواهبه في الدارين جميعا إذا لم يدخل العالم إلا قرن واحد لا يتوالدون ولا يتناسلون . فإن قالوا : كان ينبغي أن يخلق في ذلك القرن الواحد من الناس مثل ما خلق ويخلق إلى انقضاء العالم . يقال لهم : رجع الامر إلى ما ذكرنا من ضيق المساكن والمعاش عنهم ثم لو كانوا لا يتوالدون ولا يتناسلون لذهب موضع الانس بالقرابات وذوي الأرحام والانتصار بهم عند الشدائد ، وموضع تربية الأولاد والسرور بهم . ففي هذا دليل على أن كلما تذهب إليه الأوهام سوى ما جرى به التدبير خطأ وسفاه من الرأي والقول . ولعل طاعنا يطعن على التدبير من جهة أخرى فيقول : كيف يكون ههنا تدبير ونحن نرى الناس في هذه الدنيا من عزبز ؟ فالقوي يظلم ويغصب ، والضعيف يظلم ويسأم الخسف ، والصالح فقير مبتلى ، والفاسق معافى موسع عليه ، ومن ركب فاحشة أو انتهك محرما لم يعاجل بالعقوبة ، فلو كان في العالم تدبير لجرت الأمور على