محمد بن الطيب الباقلاني
430
الإنتصار للقرآن
إليهم من ذلك أمرا غير معلوم ولا متيقّن ، مع أنّ نظم ما روى من قوله : لو أنّ لابن آدم ، نظم خفيف يباين وزن القرآن ويفارقه ، وإذا كان ذلك كذلك سقط التعلّق بهذه الأخبار واقتضى ما فيها أنها لو صحت لوجب القطع على أنّه قرآن كان أنزل ونسخ رسمه وأسقط ، وحظر علينا إثباته بين الدّفتين وتلاوته على أنّه قرآن ثابت . وكذلك سبيل ما روي عن عائشة من قولها : « كان مما أنزل اللّه تعالى عشر رضعات معلومات يحرمن ثمّ نسخن بخمس رضعات » ، ولعلّ قولها ثم نسخن من كلامها ، والصحيح في هذا أنّه ليس شيء من هذه الروايات مستقرا متيقّنا معلوما صحته ، فلا يجب الإحفال بها . وكذلك ما روي عن ابن عمر في قوله : « لا يقول أحدكم أخذت القرآن كلّه وما يدريه ما كله ، قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل أخذت ما ظهر منه » ، وما ذكر في سورة الأحزاب وغيرها مما قدمنا ذكره ، وقد كان القوم يعلمون ويعلم أكثرهم أنّ ما صحّ من هذه الكلمات والقراءات التي ليست في مصحف عثمان مرفوعة منسوخة فربما عبّروا عنها بالنسخ ، وربما قالوا سقطت ، وقد روي : « أن عثمان بن عفان رضوان اللّه عليه مرّ برجل يقرأ في المصحف : النّبىّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهتهم ( وهو أبوهم ) [ الأحزاب : 6 ] ، فقال عمر : لا تفارقني حتى يأتي أبيّ بن كعب ، فأتى أبيّ بن كعب فقال عمر : يا أبيّ ، ألا تسمع هذا كيف يقرأ هذه الآية ، فقال أبيّ : كانت فيما أسقط . وقد علم أنّه لا يجوز أن يذكر عمر وأبيّ وعائشة ، وهذه الجماعة وأمثالهم في الفضل / والسابقة قرآنا كانوا يعلمون أنه كان أنزل النبي صلّى اللّه عليه وأنه لم ينسخ وترتفع تلاوته ولا أزيل رسمه ، فيتركوا قراءته وإثباته في