محمد بن الطيب الباقلاني
411
الإنتصار للقرآن
عندنا صحيح غير مستحيل ، وإن كان مثله اليوم متعذّرا على وضع العادة مع كمال العقل ، لأنّ اللّه جلّ وعزّ إنما خرق العادة بحفظ ذلك على زمن الرسول ، لكي يجعل ذلك آية له ودلالة قاهرة على صدقه في الناسخ والمنسوخ ، وليردّ بذلك قول من حكى عنه أنّ ذلك افتراء من الرسول في قوله : وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [ النحل : 101 ] ، فهذا عندنا أحد آيات الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . وقال قوم : إنما كان يذهب بحفظها من قلوب جماعة منهم يجوز على مثلهم النسيان ، فأمّا على سائرهم فلا ، فإذا عرض ذلك البعض الآية خبّروا بأنها قد نسخت عن الكلّ ، فوقع عند ذلك الفتور من الجميع والإعراض عن التحفّظ ، فعمّ النسيان جميعهم . وقال آخرون : إنما كان نفر منهم ينسون منها مواضع قد جرت بنسيان مثلها فيضطرب عليهم ضربا من الاضطراب ، فإذا عرضوا ذلك على الرسول خبّروا بأنها قد نسخت عن الجميع ، فأمّا أن ينسى النفر منهم جميع الآية فإنه محال ممتنع في مستقرّ العادة مع بقاء الفهم وكمال العقل . وقال آخرون : بل كان اللّه تعالى يذهب عن قلب كلّ واحد منهم حفظ موضع منها غير الموضع الذي يذهب بحفظه عن قلب الآخر ، فينسى كلّ واحد منهم غير ما ينساه الآخر ، وذلك جائز في العادة ، فإذا عرضوا ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم لاضطراب جميعهم فيها على هذه السبيل خبّروا بأنها قد نسخت عنهم ، فأما أن يتفق لجماعتهم نسيان جميع الآية أو نسيان موضع واحد منها أو مواضع متساوية فذلك محال . وكل هذا ممكن عندنا وإن كان / في بعضه خرق العادة ، لأنه آية للرسول ، [ 272 ] وليس الكلام في هذا الباب مما قصدنا له فكنّا نسهب فيه .