محمد بن الطيب الباقلاني

390

الإنتصار للقرآن

على كلمة أخرى ، وجميع ما قلتموه في هذه القراءات ليس بحرف لأنّ نقصان الحرف ليس بحرف ، و « 1 » زيادة الحرف في الكلمة لا يصيّر الكلمة بأسرها حرفا ، فما وجه تسمية هذه الوجوه في القراءات حرفا ؟ يقال لهم : قد نبّهنا على جواب هذا فيما سلف ، وذلك أنّه قد ثبت أنّ [ 255 ] العرب تسمي الشيء باسم ما هو منه وما قارنه وجاوره وكان / بسبب منه وتعلّق به ضربا من التعلّق ، وتسمّي الجملة باسم البعض منها ، وتسمّي القصيدة والخطبة والرسالة كلمة ، وتسمّي الكلمة التامة حرفا فنقول : ألم حرف على ما قلناه من قبل ، وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يسمّي النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم الكلمة التامة والقراءة الطويلة حرفا على تأويل أنّ منها وفيها حرفا يغيّر كلمة وحالة في القراءة ، فيقرأ مرة بالفتح ومرة بالضم ، أو أنّ سبب هذه القراءة حرفا يثبت تارة فيها وتارة ينقص ، أو أنّ منها حرفا مرة يقرأ على ما هو به ومرة يقلب إلى غيره ويبدل بسواه ، أو أنّ منها حروفا تقدّم في القراءة ، ومرة تؤخّر ، وتسمّى الحروف حروفا وتريد به جنس الحروف . وإذا كان هذا بيّنا جاريا في استعمال العرب وجب صحة ما روي واتفق عليه من قولهم : هذا يقرأ من حرف عبد اللّه بكذا ، ومن حرف أبيّ بكذا ، ومن حرف زيد بكذا ، فتنسب الكلمة والقراءة إلى الحرف الذي فيها ، فبطل تعجّب من ظنّ بعد هذا أو استهجانه في اللغة . ويجوز أيضا أن يقال إنّه صلى اللّه عليه وسلّم سمّى الكلمة والقراءة حرفا مجازا واتساعا واختصارا ، كما سمّيت القصيدة كلمة ، كذلك الرسالة والخطبة على ما بيّناه من قبل .

--> ( 1 ) ورد في الأصل في هذا الموضع حرف ( لا ) ، ولا وجه له هنا ولا معنى .