محمد بن الطيب الباقلاني
375
الإنتصار للقرآن
يقولون : قاله في كلمته ، فعلم أنّهم يعنون بالكلمة القصيدة ، وشهرة هذا عنهم يغني عن الاحتجاج له ، وإن كان ما ذكرناه يزيل ريب من علم له بجوامع كلام القوم ، وكذلك إذا قالوا : قال المترسّل أو الخطيب في كلمته كذا وكذا ، إنّما يعنون به الخطبة والرسالة . وإذا كان ذلك كذلك وثبت أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم لم يرد بقوله : أنزل القرآن على سبعة أحرف ، حروف المعجم المصوّرة على المثال الذي يكون منها ألف وباء وتاء ، لأنّ ذلك لا معنى له ، لأنّه منزل إذا على التسعة والعشرين ، ولأنّ كلّ مثال منها حرف على الحقيقة إلّا لام الألف لأنّها مؤلّفة من حرفين وأدخلت الألف في اللام ، فصارت صورتها صورة لا . وإذا كان ذلك كذلك وكان القرآن منزلا بسائر حروف المعجم ، فما معنى حمل الخبر على أنّه سبعة أحرف منها ، هذا ليس من كلام أهل العلم والتحصيل بسبيل ، ولا يجوز أن يكون المراد بذلك أنّه أنزل على سبع كلمات فقط ، لأنّ الكلام المنزل أكثر من سبع كلمات وسبع وسبع بشيء كثير ، فما معنى تأويل الخبر على أنّه منزّل على سبع كلمات ، هذا أيضا مما لا محصول له ولا تعلّق لأحد فيه . فثبت بذلك أنّ الأحرف السبعة التي ذكرت إنّما هي سبع لغات وسبعة أوجه وسبع قراءات مختلفات ، والوجه والطريقة التي يكون الكلام وغيره أيضا عليها يسمّى في اللغة حرفا ، قال اللّه تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [ الحج : 11 ] ، ولم يرد تعالى بذكره الحرف في هذه العبارة الحرف من حروف المعجم ولا أراد الكلمة ، وإنّما أراد وهو سبحانه أعلم الوجه والطريقة التي تقع عليها العبادة ، وأنّ منهم من يعبد اللّه على الخير يصيبه والنماء في ماله ، وإكمال