محمد بن الطيب الباقلاني
373
الإنتصار للقرآن
بمعنى واحد ، والدليل على صحة هذا التأويل أنّ الحروف في اللغة إنّما تستعمل في الأصل في أحد شيئين : أحدهما : طرف الشيء وشفيره وحاشيته ، ومنه قولهم : حرف الطريق وحرف الوادي وحرف الإجانة وحرف الرغيف ، وكذلك قولهم في حرف الدرهم والدينار وطرف كلّ جسم وشفيره وحاشيته وهذا مما لا خلاف فيه ، ويستعمل أيضا في المثال المقطوع من حروف المعجم التي فيها الألف والباء والتاء وغير ذلك ، وتستعمل أيضا في الكلمة التامّة التي هي حروف كثيرة مجتمعة وذلك ظاهر بينهم معروف في الاستعمال ، وذلك أنّهم يقولون ما سمع عن زيد في هذا الباب حرف ولا تكلم فيه بحرف ولا به في هذا العلم من الكلام حرف واحد ، وما ذكر فلان من خبره ، وما سئل عنه حرفا البتة ، وقد نغّم فلان في هذه القصة بحرف سوء . وقد عرف أنّهم لا يعنون بذكر الحرف في جميع هذا الكلام عنه حرف واحد مقطوع أنّه لم يسمع ممّن نقل الكلام عنه ، حرف واحد مقطوع من ألف أو ياء أو واو ، ولأنّ الحرف الواحد لا يصحّ التكلّم به فيسمع أو لا يسمع ، وكذلك إذا قالوا ما نطق ولا تكلّم بحرف واحد ، فإنّهم إنّما يعنون أنّه ما تكلّم بكلمة ولا أورد نقطة ، لأن الحرف الواحد المنقطع / لا يكون قولا ولا [ 241 ] كلاما فلا يصحّ أن ينفى التكلّم به أو يثبت ، وكذلك إذا قيل : ما صنّف فلان ولا تكلّم في هذا العلم بحرف ، فليس يعني بذلك إلّا نفي كلامه فيه ، ولا يعني أنّه لم يورد فيه ألفا أو واوا . وكذلك إذا قالوا : ما تكلّم فلان من خبر فلان بحرف ، إنّما يعنون أنّه لم يتكلّم بكلمة هي خبر عن بعض أموره ، لأنّ الكلّ قد أطبقوا على أنّ الحرف