محمد بن الطيب الباقلاني

351

الإنتصار للقرآن

الضرب من الطّعن في نقل القرآن وإنزاله من مطاعن الملحدين على اللّه وعلى رسوله وعلى جملة كتابه وتفصيله ، وهكذا فعل اللّه سبحانه بمن صدّ عن دينه وصدف عن صحيح النظر في براهينه ، واشرأب قلبه إلى التعلّق بالشبهات والميل إلى الزيغ والضلالات . فإن قالوا : أفليس قد رويتم أنّ الذين بعث عثمان رضي اللّه عنه على جمع الناس على مصحفه ، وقراءته والمنع من باقي الحروف التي أنزلها اللّه جلّ وعز ما حدث في عصره ، وشدّة الاختلاف والتشاجر والتبرّي والإكفار في القراءات بهذه الحروف المختلفة ، فألا علمتم أنّ إنزاله على سبعة أحرف سبب لما قلناه ؟ يقال لهم : ليس الأمر في هذا على ما وصفتم ؛ لأنّ القوم عندنا لم يختلفوا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول صلّى اللّه عليه التي لم يمت حتى علم من دينه أنّه أقرأ بها وصوّب المختلفين فيها ، وإنّما اختلفوا في قراءات ووجوه أخر لم تثبت عن الرسول عليه السلام ولم تقم بها حجّة ، وكانت تجيء عنه مجيء الآحاد وما لا يعلم ثبوته وصحته ، وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل نحو قوله : والصلاة الوسطى ، ( وهي صلاة العصر ) ، فاءو ( فيهن ) ، ولا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربّكم ( في مواسم الحج ) ، وأمثال هذا ممّا وجدوه في بعض المصاحف ، فمنع عثمان من هذا الذي لم يثبت ولم تقم الحجّة به وأحرقه وأخذهم بالمتيقّن المعلوم من قراءات الرسول عليه السلام . فأمّا أن يستجيز هو أو غيره من أئمة المسلمين المنع من القراءة بحرف ثبت أنّ اللّه أنزله ويأمر بتحريقه والمنع من النظر فيه والانتساخ منه ، وتضييق على الأمة ما وسّعه اللّه تعالى ، ويحرّم من ذلك ما أحلّه اللّه ويمنع منه ما