محمد بن الطيب الباقلاني

349

الإنتصار للقرآن

وكذلك إذا علم أنّ في الناس الألكن والفصيح والألثغ والطّلق الذرب والتّمتام العيّ ، والقادر المنبسط ساغ أن ينزل القرآن بالهمز وغير الهمز ، وأن يجعل مكان الحركة التي تثقل على التّمتام تسكينا لا يثقل عليه ، وهذا أولى وأجدر وأقرب في تخفيف المحنة وتيسير العبادة وأحرس للعباد إلى الطاعة . وكذلك إذا جاز أن يعلم أنّ من الناس السكتة النزر الكلام القليل الحفظ ، وأنّ منهم الذكيّ الحفوظ ( ) « 1 » الذي يميل طبعه إلى تشويق الكلام والتبسّط والتصرّف في وجوه الألفاظ والعبارات ، وأنّه ينقل عليه لزوم نهج واحد وسبيل لا يختلف في النطق ويعظم عليه حفظ ذلك ، ويؤدّيه تكليفه إيّاه إلى الضجر والملل وقلّة الرغبة والإعراض ، جاز لذلك أن ينزله على حرفين وسبعة وعشرة ليحفظه على الوجه الواحد من قدّمنا ذكره ، ويحفظ على هذه الوجوه الكثيرة من وصفنا قدرته وتبسّطه وميله إلى الإكثار والتنقّل في وجوه الخطاب . وكذلك أيضا فقد يجوز أن يعلم سبحانه أنّه إذا أنزل القرآن على حرف واحد ، لزم الأمّة بأسرها أن لا تقرأ الآية ، جاز أن يشكّ شاكّ في ذلك الحرف ويتبناه ، وينطلق لسانه بحرف غيره يقوم مقامه ولا يبطل معناه ، وأنّهما إذا ترافعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم فأقرأهما فأخطأ أحدهما وترك القراءة بذلك الحرف الواحد المنزل ، وقال له الرسول / عند ذلك : أخطأت ، أو أسأت ، [ 222 ] أو ما هكذا أقرأتك ، انكسف باله وصغرت حاله ونفسه ، وانكسرت حدّته ، وفترت شهوته ، وقلّ حرصه ، وصار ذلك طريقا إلى ضجره وملاله ، وقلّت

--> ( 1 ) ما بين القوسين غير مقروء في الأصل .