محمد بن الطيب الباقلاني

345

الإنتصار للقرآن

تقدّم سماعها له ، ولم يمرّ من الزمان وتطاول الوقت ما يقتضي ظهوره وحصول الغنى عن السؤال عنه ، وهذا يبطل جميع ما عوّلوا عليه وموّهوا به في نقل القرآن وعدم قيام الحجّة . فإن قال منهم قائل : إنّ في خبركم هذا إحالة وتناقضا ظاهرا من وجه آخر ، وهو أنّه قد ثبت وعلم أنّ القرآن لم ينزل على الرسول صلّى اللّه عليه جملة واحدا وإنّما نزل في نيّف وعشرين سنة ، وأنّه لم يتكامل نزوله إلا عند تقارب وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وآخر عهده بالدنيا ، وهذا الخبر الذي رويتموه لا شكّ أنه قد قاله قبل موته بدهر طويل وقبل نزول كثير من القرآن ، فهذا تناقض بيّن . يقال له : لا يجب ما قلته ، لأنّ من الناس من يقول : إنّ هذا الظاهر لا يقتضي أكثر من أن يكون في القرآن كلمة واحدة أو اثنتين تقرأ على سبعة أوجه ، فإذا حصل ذلك فيه وفّي الخبر حقّه وموجبه ، ومنهم من يقول : ذلك إنّما يستعمل إذا قرئ جملة القرآن أو كثير منه على سبعة أحرف وأوجه ، وهذا هو الذي نختاره ، وسندلّ على ذلك فيما بعد إن شاء اللّه . وإذا كان ذلك كذلك ولم ينكر أن يكون النبيّ صلّى اللّه عليه قد قال هذا القول بعد أن نزل شطر / القرآن أو ثلثاه أو ستة أسباعه : ساغ أن يقال إذ ذاك [ 218 ] إنّه منزل على سبعة أحرف ، ويعني بذلك صلّى اللّه عليه هذا الذي نزل ، ويكون جبريل عليه السلام قد أخبره أنّ قدر ما نزل عليك هو معظم القرآن وكثيره ، وأنّ ما ينزل عليك فيما بعد قليل بالإضافة إليه ، فيحسن لذلك ، وجاز أن يقال : أنزل القرآن على سبعة أحرف لأنّ معظمه قد أنزل كذلك ، فبطل بذلك ما قلتموه .