محمد بن الطيب الباقلاني

324

الإنتصار للقرآن

كان يكره أن يقرأ بالمعوّذات وحدها حتى يجعل معها سورة « 1 » ، ولم يجب لأجل ذلك أن يكون مجاهد منكرا لكون المعوّذتين قرآنا ، وكذلك عبد اللّه ، إن ثبت ذلك عنه ، وقد قال الشافعيّ : إنّه لا يقتصر في الأربع ركعات على فاتحة الكتاب وحدها ، ولم يدلّ ذلك على أنّها ليست بقرآن عنده وكذلك حكم الناس والفلق عند عبد اللّه ومجاهد في أنّهما لا يفردان في الصلاة والدرس عن غيرهما ، ولا يقرءان إلا متّصلتين بسواهما ، وإن كانتا من القرآن المنزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما التأوّل عليه في إخراج المعوّذتين من كلام اللّه تعالى بهذا الضرب من التأويل . وأمّا جوابه لمن قال له : « إنّ العوذ من القرآن » بأنّها ليست من القرآن ، فإنّه ردّ يدلّ على إنكاره إن كان قد سئل عن ذلك في عوذة ليست من القرآن ، وقال ذلك لأنّه لم يسأل عن العوذة التي هي الفلق والنّاس أو هما ، وإنّما سئل عن عوذة ليست من القرآن ، وليس كلّ عوذة رويت عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم من القرآن ، وكان يجب لمتوهّم ذلك على عبد اللّه أن يتأمّل ما الذي يسأل عنه من العوذ وأن يستفهم عبد اللّه : أيّ عوذة أنكرت كونها من القرآن ؟ الناس والفلق أم غيرها ؟ ولا يتسرّع إلى اعتقاد الباطل فيه بالتوهّم والظنّ ، [ 202 ] فبطل أيضا التأوّل / عليه بهذا الجواب وإن كان قد وقع منه . وأمّا التأويل عليه في جحدهما وإنكارهما بمنعه تسميتهما قرآنا - إن كان قد امتنع من ذلك - فإنّه أيضا باطل ، لأنّ اللّه تعالى لو نصّ لنا أو رسوله عليه السلام على أن لا يسمّى يوسف والرعد قرآنا لوجب أن لا يسمّيها بذلك لأجل السمع والاتباع ، وإن لم يدلّ تركنا لهذه التسمية على اعتقادنا أنّهما

--> ( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في « المصنف » ( 7 : 194 كتاب فضائل القرآن ) .