محمد بن الطيب الباقلاني
305
الإنتصار للقرآن
قيس « 1 » ، وجماعة غير هؤلاء أخذوا عنه ورووا قراءته ، فما ذكر عن جميعهم ولا عن أحد منهم رواية ظاهرة ولا غير ظاهرة أنّه أنكر كون المعوّذتين قرآنا ولا أسنده عن عبد اللّه ، ولا قال - مع إضافته ذلك إلى عبد اللّه - إنّه حقّ على ما ذكره ولا أنّه باطل يرغب عنه ، وقد علم بمستقرّ العادة أنّه إن كان قد صحّ عن عبد اللّه كون المعوّذتين غير قرآن فلا بدّ من معرفة أصحابه والمتمسّكين لحرفه ، والمنحازين إلى كتبته ، والناصرين لقوله من أن يعرفوا ذلك من دينه وأن يكونوا أقرب الناس إلى العلم به ، وأنّه لا بدّ مع ذلك أن يصوّبوه على قوله هذا ويتّبعوه ، أو يردّوه وينكروه ، ولا بدّ من ظهور ذلك عنهم وانتشاره من قولهم ، وأن يكون / قولهم فيه من موافقة عبد اللّه على ذلك ومخالفته [ 187 ] أشهر وأظهر من تمسّكهم بحرفه وأخذهم أنفسهم به ، ولو قد كان منهم أحد الأمرين لاستفاض وظهر ولزم قلوبنا العلم به والخنوع بصحّته ، فلمّا علمنا وعلم الناس جميعا أنّه لم يرو عن جميع الصحابة ولا عن أحد منهم قول ولا لفظة في هذا الباب - أعني إنكار عبد اللّه لكون المعوّذتين قرآنا - علمنا أنّه لا أصل لما يدّعى عليه من ذلك وأنّه زور وبهتان . فإن قيل : فلعلّ أصحاب عبد اللّه إنّما لم يعرضوا لذلك عن عبد اللّه لقبح هذا القول عندهم وشناعته وخروج قائله عن مذهب الأمّة ، وتركه ما يجب عليه عن الإقرار بتوقيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على المعوّذتين ونصّه . قيل له : فقد كانوا مع هذا قوما مسلمين أخيارا أبرارا ، فكان يجب انحرافهم عن عبد اللّه في هذا القول وإظهارهم لغلطه ، وتفنيد رأيه ، لأنّ العادة لم تجر بإمساك مثلهم عن إنكار منكر لأجل تعصّب وميل وطلب
--> ( 1 ) الأسود بن يزيد النخعي الكوفي ، فقيه ، أخذ عن عمر وعلي ومعاذ ، كان يختم في ليلتين ، مات سنة سبعين وأربع للهجرة . « الكاشف » ( 1 : 80 ) .