محمد بن الطيب الباقلاني
290
الإنتصار للقرآن
ويقال لهم : « ضعوا هذه في السور التي يذكر فيها كذا » ، فلو ألّفوا السورة على تاريخ النزول لوجب أن ينقضوا ترتيب آيات السور ويخلطوها ويجعلوا بعض هذه السورة في هذه السورة ، وبعض هذه في هذه ، وهذا تخليط وإفساد قد حرّم عليهم . ولو قصدوا أيضا إلى تأليف معظم ما نزل من الآي متتابعا ، فجعلوه في صدر السور وأخّروا ما نزل بعد ذلك لم يكن فيه فائدة ولا دلالة على تاريخ الناسخ والمنسوخ ، لأنّ الآية الناسخة قد تنزل بعد المنسوخة في سورتها فيؤمروا بإثباتها قبل المنسوخة ، وربّما كانت الناسخة مدنيّة فيؤمروا بإثبات ذلك في سورة مكّية وأن لا يثبت في شيء من المدنيّة ، فلا معنى لضمّ ما يقارب نزوله وتوالي ذلك وجعله في صدور السور لأجل ما وصفناه . وقد يجوز أن يكونوا إنّما عدلوا أيضا عن هذا / خوفا من أن يظنّ ظانّ أن ترتيب جميع آيات السور على هذا التاريخ ، وذلك أمر يدهشه ، ويخيّل إليه أنّ الآية الناسخة ليست بناسخة لما تقدّم من نزوله إذا وجدوها في آخر السورة وكانت المنسوخة متقدّمة النزول وفي صدر السورة ، فإذا خيف ذلك ولم يؤمن توهّم مثله وجب العدول عن مراعاة تاريخ نزول القرآن في تأليف سوره ، ووجب أن يكون ضمّهما على وجه المشاكلة والمقاربة والتصنيف لذلك ، وضمّ الشيء إلى ما يقاربه أولى ، وسقط بذلك ما سأل عنه السائل . فإن قال قائل : وما الدليل على صحّة ما ادّعيتموه من أنّ الرسول كان يأمر بإثبات الآية النازلة في سورة متقدّمة النزول دون الموضع الذي قبلها في قرب نزوله ؟ قيل : هذا ظاهر مكشوف من دين الرسول وحاله وأمره برسم القرآن ، وقد وردت بذلك الأخبار وتظاهرت ، فروى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن