محمد بن الطيب الباقلاني
282
الإنتصار للقرآن
منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر بسم اللّه الرحمن الرحيم ووضعناها في السبع الطّوال » . فهذا تصريح من عثمان بأنّه لم يكن من الرسول نصّ على وجوب تأليف الأنفال إلى براءة ، وأنهم إنّما عملوا ذلك بالرأي والاجتهاد الذي ذكره عثمان عن نفسه ، وما غلب على ظنّه ، وليس في الامّة من يفرّق بين تأليف السورة فيجعل بعضه مضيّقا موقفا على ترتيبه وبعضه موسّعا / ومخيّرا فيه وغير منصوص على تأليفه ، فلذلك لم يجز لأحد أن يقول : إنّما ترك رسول اللّه صلى اللّه عليه التأليف والترتيب في الأنفال وبراءة فقط ، وأوجبه ونصّ عليه في غيرها . فإن قال قائل : فهل تزعمون أنّ ظنّ عثمان لكون براءة من الأنفال لشبه قصتها بقصتها صحيح وأمر يجوز الاعتلال به ؟ قيل له : لا ، ولسنا نعلم قطعا أنّ كلام عثمان خرج على هذا الوجه ، بل لعلّه خرج على وجه آخر بزيادة لفظة ونقصان لفظة اختصره الراوي أو زاد فيه ، ويدلّ على ذلك أيضا أنّ عثمان قد قال وعلم أنّ كلّ واحدة من السورتين لها اسم يخصّها وعلم تعرف به ، وأنّه قد كان يتلقّى إحدى السورتين على عهد الرسول ، وبعده من لا يحفظ الأخرى ولا يعلمها ومن يضمّ إلى تعلّم الأنفال سورة أخرى مما بعد براءة ، وكلّ هذا يوجب أنّهما سورتان منفصلتان تعرف كلّ واحدة منهما بغير التي تعرف بها الأخرى ، وليس ترك الفصل بينهما بكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم دليلا على أنّهما سورة واحدة ، لأنه قد يجوز أن يكون إنّما لم يكتب في أول براءة بسم اللّه الرحمن الرحيم لما قدّمناه من قبل من كونها نازلة بالسيف لا أمان فيها ، أو لغير ذلك ، لا لأنّها من جملة الأنفال ، ويدلّ على صحّة ما قلناه ويوضّحه ما