محمد بن الطيب الباقلاني
260
الإنتصار للقرآن
الشيطان آية من كتاب اللّه ، وترك الناس آية من كتاب اللّه » ، لأنّهم لو كانوا يقرءونها لما قال ذلك ، فهذا يدلّ على مخالفة الجماعة له على قوله هذا وتركهم لقراءتها وذلك بأن يدلّ على فساد ما قالوه أولى . فإن قيل : فإذا كان قد اعتقد عندهم أنّها من القرآن وهم يعلمون أنّها ليست من القرآن ، فلم تركوا النكير عليه ، وأن يقولوا له : قد أعظمت الخطأ والفرية في إدخالك ما ليس من القرآن فيه ؟ يقال لهم : يكفي في الردّ لقوله والخلاف عليه تركهم الرجوع إلى قوله مع سماع ذلك منه وتكرّره وكثرة ضجيجه هو بقوله : « ترك الناس آية من كتاب اللّه ، وسرق الشيطان آية من كتاب اللّه » ، لأنّ هذا القول مع ظهوره منه يدلّ على أنّ القوم لا يعتدّون بقوله هذا ولا يثبتون به بسم اللّه الرحمن الرحيم قرآنا ، ولعلّه أن يكون فيهم من قال في خلافه ما ذكروه وخرج عن الإغلاظ له إلى مثل ما وصفوه . ويمكن أيضا أن يكونوا إنّما تركوا الإنكار عليه وأن يقولوا له : أخطأت ليست من القرآن ؛ لأجل أنّه لم يتحقّق عندهم أنّه اعتقد أنّها آية منزلة من كلّ سورة ، وظنّهم أنّه اعتقد أنّه كلام يفتتح به السور والجمل ، وأنّ السنّة قد جرت بذلك عنده ، وأنّه إنّما قال : « سرق الشيطان من كتاب اللّه آية ، وترك الناس من كتاب اللّه آية » يريد أنّه سرق منه ما يقوم مقام آية مما جرت السّنّة عندنا بالافتتاح به ، وقد قال اللّه سبحانه : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ النحل : 98 ] ، فلو ترك تارك الاستعاذة عند قصده عرض القرآن ، لساغ أن يقول قائل : « سرق الشيطان الاستعاذة ، وسرق آية من كتاب اللّه ، يريد بذلك أنّه سرق ما يقوم مقام آية من الاستعاذة التي أمر بها ، وساغ