محمد بن الطيب الباقلاني

239

الإنتصار للقرآن

الباب من الكلام المحتمل ظاهرا منتشرا إذا كان لم يقع من الرسول وقوعا معلنا بحضرة من تقوم به الحجّة ، ولا هو ممّا أراد وقصد وقت قوله ذلك للواحد والاثنين أن يذاع عنه وينتشر من قبله حتى يكرّره ويردّده ويقصد إذاعته وإقامة الحجّة بإظهاره ، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب شيء مما قلتموه . وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في أول ما أنزل من القرآن وآخره ، ورويت في ذلك روايات كلّها محتملة للتأويل ، / فقال قوم منهم : أول شيء أنزل : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ المدثر : 1 ] ، وقال آخرون : أول ما أنزل : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] ، وقال قوم : أول ما أنزل : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إلى آخر فاتحة الكتاب . فروى / يحيى بن أبي كثير « 1 » قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن : [ 136 ] أيّ القرآن أنزل أولا ؟ فقال : سألت جابر بن عبد اللّه « 2 » : أيّ القرآن أنزل أولا ؟ قال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ المدثر : 1 ] قلت : أو اقْرَأْ ؟ قال جابر بن عبد اللّه : ألا أحدّثكم بما حدّثنا به رسول اللّه صلى اللّه عليه ؟ قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه : « إني جاورت بحراء شهرا ، فلمّا قضيت نزلت استبطنت بطن الوادي ، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر شيئا ، ثم نوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر شيئا ، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش - قيل : يعني أنه الملك على العرش - في الهواء ، فأخذتني رجفة ، فأتيت خديجة ، فأمرتهم فدثّروني ، ثم

--> ( 1 ) الطائي ، مولاهم ، أبو نصر اليمامي ، ثقة ثبت ، لكنه يدلس ويرسل ، من الخامسة ، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة . « التقريب » ( 2 : 313 ) . ( 2 ) ابن عمرو بن حرام الأنصاري ، صحابيّ جليل ، وأبوه صحابي ، غزا تسع عشرة غزوة ، مات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن أربع وتسعين . « التقريب » ( 1 : 154 ) .