محمد بن الطيب الباقلاني
229
الإنتصار للقرآن
قيل لهم : أجل ، يجوز أن يكونوا قد عدّوه في عصره صلى اللّه عليه عددا متفقا غير مختلف ، غير أنّهم عدّوا ذلك لأنفسهم استعانة به على تقييد الحفظ وضبط السور من غير أن ينصّ لهم الرسول على ذلك ، فلذلك لم ينقل عنه شيء في هذا الباب ، فلما انقرض ذلك العصر ولم ينقل ذلك العدد عنهم لأنّه لم يكن من فرائض دينهم ولا مما نصّ لهم الرسول عليه وأخذهم به : ذهب على من بعدهم العدد / الذي كانوا اتفقوا عليه في زمن [ 128 ] الرسول ، والناس من بعدهم يعدّون ذلك لأنفسهم ، وبحسب ما أدّاهم الاجتهاد إليه . ويجوز أيضا أن يكونوا قد عدّوا على عصر الرسول وعند القراءة عليه عدّا مختلفا ، وعرضوه على الرسول ، وعرف اختلافهم فيه ، وأقرّهم على جميعه ، وسنح لكل واحد منهم العمل بما غلب على ظنّه ، إذا علم أنّه يقصد بذلك تقييد حفظه وضبطه ، والاستعانة عليه ، ولم يكن اللّه سبحانه قد أمره بتوقيفهم على حدّ محدود وشيء معلوم في ذلك ولا ألزمهم إيّاه ، فما ندري أنّه كان ذلك كذلك ، فكيف كان حقيقة هذا الأمر منهم على زمن الرسول . وقد يجوز أيضا أن لا يكونوا تشاغلوا بعدد متفق ولا مختلف في زمن الرسول ، بل أقبلوا على حفظ القرآن فقط على سياق آيات سوره وتعرّف أحكامه وحلاله وحرامه ، ورأوا أنّ التشاغل بعدد الآي ومواضع الفصول من السور شاغل لهم عن حفظ القرآن نفسه وتعلّم ما يحتاج إلى العلم به من أحكامه ، ويكون حالهم في ذلك حال خلق من حفّاظ القرآن في هذا الوقت ، الذين يحفظونه ويتقنونه ولا يشتغلون بوضع عدد لآياته من عند أنفسهم وعلامات لهم على مواضع الفصول ، ولا يتعرّف ما قاله غيرهم في العدد لاعتقادهم العناء به والاشتغال بما هو أهمّ وأمسّ ، من علم تأويله وأحكامه