محمد بن الطيب الباقلاني

201

الإنتصار للقرآن

عبد اللّه بن عتبة بن مسعود « 1 » أخبره أنّ عبد اللّه بن العباس أخبره أنه كان يقرئ عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطّاب ، قال : فلم أر أحدا يجد من القشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة ، قال ابن عباس : فجئت ألتمس عبد الرحمن يوما فلم أجده ، فانتظرته في بيته حتى رجع من عند عمر وهو يومئذ بمنى آخر حجة حجّها عمر » « 2 » ، وهذا خلاف موجب أخباركم والعادة التي وصفتم . يقال لهم : فظاهر تلك الأخبار وما ذكرناه من موجب العادة في مثل عبد الرحمن في فضله وتقدّمه ونبله يوجب المصير إلى ما قلناه من وجوب حفظه القرآن وإيقاف خبركم هذا ، وإحالة علم طريقه وتخرّجه على اللّه سبحانه الذي هو أعلم به ، فإما أن نترك ما وصفناه من المتيقّن لأجله ، فذلك غير سائغ ، على أن الخبر إن صحّ وثبت فمعناه محمول / على موافقة ما [ 108 ] ادّعيناه ، وذلك أنّ الناس كانوا يتحفّظون القرآن بأن يقرءوه على الحفّاظ ، وبأن يقرأه عليهم الحافظ ، ويأخذونه من لفظه ، وفي الناس إلى هذا الوقت من ذلك أسهل عليه وأقرب إلى فهمه ، وأكثر من يعمل ذلك إنما يعمله ليأخذ نمط القارئ الحافظ ويسلك في القراءة سننه ، ويتّبع ألفاظه ، وكذلك كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، إنّما قرأ على أبيّ على وجه التخصيص والتعظيم ليأخذ أبيّ طريقته ، ويحكي لفظه ، ويقفو أثره ، وكذلك ذكر عن أبيّ وابن أبي .

--> ( 1 ) الفقيه الأعمى ، روى عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس ، وروى عنه الزهري وأبو الزّناد ، وهو معلّم عمر بن عبد العزيز ، وكان من بحور العلم ، مات سنة ثمان وتسعين . « الكاشف » ( 2 : 200 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 12 : 340 كتاب المحاربين من أهل الكفرة والردة برقم 6830 ) ، ورواه مسلم ( 5 : 116 ) ، وأحمد في « مسنده » ( 1 : 55 برقم 391 ) .