محمد بن الطيب الباقلاني

199

الإنتصار للقرآن

- ويحتمل أن تكون رواية الشّعبيّ وغيره ممن روى مثل روايته أنّ أبا بكر وعمر وعليّا عليهم السلام لم يجمعوا القرآن أنّهم لم يجمعوا ناسخه ومنسوخه ، ولم يجمعوه بجميع قراءاته وحروفه التي أنزل / عليها . [ 106 ] - ويحتمل أيضا قول عبد اللّه بن مسعود في البقرة والشعراء أنّهما ليستا عنده وأنه لا يحفظهما ، وقول زيد بن ثابت لعبيد بن جبير : « لست أحفظ الأعراف » أنهما لا يحفظان ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه ، وأنّهما لم يقرءا هذه السورة عليه ولا أخذاها من فيه بغير واسطة ، وإنّما حفظاها عمّن أخذ عنه ، فلذلك قال عبيد بن جبير : « فقرأت الأعراف على زيد فما أخذ عليّ ألفا ولا واوا » . يعني أنه لم يحفظ عليه فيها غلطا واحدا ولا عرف ، ولولا أنّ زيدا كان يحفظ الأعراف كيف كان يجوز أن يأخذ عليه فيها الغلط ؟ وليس ينكر أن يكون لم يتفق لهما جميعا ولا لغيرهما من الأمة أن يكونا حفظا جميع القرآن عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسمعاه منه ، وإن أخذا عنه الأكثر وسمعاه منه وأخذا باقي ذلك وسمعاه ممن أخذ عنه وسمع منه ، وإذا كان ذلك كذلك ساغ هذا التأويل أنّ أحدا لم يجمع القرآن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، وهم يريدون هذا أو بعض ما تقدّم . ويمكن أيضا أن يكون كلّ واحد من هؤلاء النفر قد سمع منه قبل موت النبي صلى اللّه عليه يخبّر عن نفسه أنّه لم يجمع القرآن ، وإنّما كانوا يقولون ذلك - وإن حفظوا جميع ما نزل - لما لا يأمنون من نزول ما ينزل بعد ذلك ، وعلمهم بأنّ الوحي ونزول القرآن غير مأمونين منه ما دام الرسول حيّا ، فامتنعوا لذلك أن يقولوا ( حفظنا جميع القرآن ) وإن كانوا قد حفظوا جميع ما أنزل على الرسول إلى وقت سمع منهم هذا القول .