محمد بن الطيب الباقلاني

179

الإنتصار للقرآن

وروي أن بعض التابعين ذكر عنده إنسان فقيل : « أحكم القرآن ؟ » فكره ذلك فقيل : « حامل قرآن » فكرهه ، وقال : « قولوا : حفظ » . لأنّه اعتقد أنّ الحفظ إنما يراد به التلاوة ، وقولهم ( أحكم ، وحمل القرآن ، وحافظ القرآن ) إنما يجري على القائم بحدوده السامع المطيع لموجبه / . وحكي عن الحسن البصري أنه كان يقول : إنّ أحدكم ليقول : واللّه لقد قرأت القرآن كلّه ، وما أسقطت منه حرفا واحدا ، وقد واللّه أسقطه كلّه » « 1 » ، يعني بذلك ترك العمل بموجبه ، والمحافظة على حدوده ومراسمه . وروي أن عقبة بن عامر كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فاستقرأه عمر فقرأ عليه براءة ، فبكى عمر ، ثم قال : « ما كنت أظنّ أنّها نزلت » « 2 » . إنما قال ذلك لما وجد من نضارتها وجدّتها بحسن قراءة عقبة ، وما جدّدته وأحدثته له من الخوف والوجل والإذكار بأمر اللّه تعالى ، والتحذير من وعيده ، والترغيب في ثوابه على نحو ما يقول القائل : كأني ما قرأتها قطّ ولا سمعتها . ومن ظنّ بعمر رضي اللّه عنه أنّه لم يعرف أنّ سورة براءة قد نزلت مع شهرتها وإنفاذ الرسول بها إلى أهل مكة مع أبي بكر وعلي ، وتذلّل أبي هريرة بها ، وما تضمنته من حال العقود والعهود وغير ذلك : فهو الغبيّ المغرور ، بل من ظنّ ذلك بأدنى المؤمنين منزلة فقد جهل جهلا فاحشا . وقد يجوز أيضا أن تكون كراهتهم لإطلاق القول بأنّ فلانا حافظ للقرآن وجامع له لأجل أنهم اعتقدوا أن ذلك إنما يجري على من حفظ ناسخ القرآن ومنسوخه ، وجميع وجوهه وحروفه التي أنزل عليها ، فلا يوصف به عندهم

--> ( 1 ) رواه ابن المبارك في « الزهد » ص 274 . ( 2 ) لم أجده .