محمد بن الطيب الباقلاني
152
الإنتصار للقرآن
« شاهت الوجوه » ، وأن المؤمنين وأهل القرآن توافوا بالسيوف ، وأحدقوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وحفّوا به إحداق البقر بأولادها ، قال : حتى خفت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، يعني من الزّحام حوله وشدة الذّيادة عنه . والأغلب من حال هذه الرواية أن يكون أكثر من أحدق برسول اللّه صلّى اللّه عليه هم أهل سورة البقرة ، وحفّاظ كتاب اللّه ، وأهل الصفّة الذين كانوا متبتّلين لعبادة ربهم ، ومنتصبين لقراءة القرآن ولحفظه ، وأخذ أنفسهم به ، ولعل سائر أهل الصفة كانوا حفّاظا لكتاب اللّه جلّ وعزّ على ما يوجبه ويقتضيه ظاهر حالهم ، لأنهم لم يكن لهم في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه عمل ولا معيشة ولا حرفة غير ملازمة المسجد والصلاة وتعلّم القرآن والتشاغل بصالح الأعمال ، لا يتشاغلون بشيء سوى ذلك ، وكان الناس قد عرفوهم بذلك فكانوا لأجل ما ذكرناه من أحوالهم يحنون عليهم ، ويؤثرونهم على أنفسهم ، ويراعون أمورهم ، ويشركونهم في أقواتهم ، ويرون تفضيلهم على أنفسهم ، وإجارتهم عظيم الفضل بما انقطعوا إليه من التشاغل بأمر الآخرة والانتصاب لحفظ القرآن وتدارسه والصلاة به . والأشبه بمن هو دون هؤلاء في الفضل والدين وحسن البصائر ، وثاقب الأفهام ، وصحة القرائح والنحائر ، وسرعة الحفظ والاقتدار على الكلام وحفظ ما قصر / وطال : أن لا يبطئوا ويتخلّفوا عن حفظ القرآن الذي هو أصل دينهم ، وعماد شريعتهم ، وأفضل أعمالهم ، وأعظمه ثوابا عند اللّه تعالى ، فوضع العادة يقتضي إحاطة جميع أهل الصفّة بحفظ جميع ما كان ينزل من كتاب اللّه تعالى ، فكيف يجوز مع ما وصفناه أن يهملوا أمر القرآن ، ويعرضوا عن تحفّظه ، ويحتقروا شأنه ، ويتشاغلوا بغيره عنه ، وقد سمعوا من