محمد بن الطيب الباقلاني

145

الإنتصار للقرآن

بالغميم ليلة لقيتك صدرا من السورة التي يذكر فيها مريم ، فأقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه على أبيّ بن كعب ، فقال : « يا أبيّ أكملها له » ، ثم قال : « يا بريدة تعلم سورة الكهف معها ، فإنها تكون لصاحبها نورا يوم القيامة » ، وكان بريدة / يقرئ قومه ، واستعمله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على صدقاتهم . وقد عرفت حال الصحابة في حسن طاعة النبي صلّى اللّه عليه والانقياد له وإيثار نصرته والانتهاء إلى أوامره ، وأنهم قتلوا الآباء والأبناء في طاعته ، فكيف يجوز مع ذلك أن يهملوا القرآن ويحتقروا شأنه وهم يرون ويسمعون من تعظيم النبي صلّى اللّه عليه وحثّهم على تعليمه ، وأخذهم بدرسه وإقرائه بالشهادتين ، وجعله تالي ما يدعو إليه من فرض التوحيد ؟ ! ولقد ظهر من حرصهم وشدة عنايتهم لحفظ القرآن ودراسته ، والقيام به في آناء الليل وآخر النهار ما ورمت معه أقدامهم ، واصفرّت ألوانهم ، وعرفت به سيماهم من أثر السجود والركوع ، حتى همّ خلق كثير منهم بالتبتّل والرهبانية والإخلاد والاجتهاد إلى العبادة فقط ، وقطع الحرث والنسل حتى أنكر ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه ونهاهم عنه ، حتى ظهر عن سعد بن مالك أنه قال : « لقد ردّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه على عثمان بن مظعون « 1 » التبتل « 2 » ، ولو رخّص فيه لاختصينا » « 3 » .

--> ( 1 ) ابن حبيب بن وهب الجمحي ، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا ، وهاجر إلى الحبشة هو وابن السائب ، توفي بعد شهوده بدرا في السنة الثانية من الهجرة ، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين . « الإصابة » ( 4 : 381 ) . ( 2 ) التبتل هنا المراد منه الانقطاع للعبادة وترك شواغل الدنيا وعدم الزواج حتى لا ينشغل بالزوجة والأولاد عن العبادة ، وهو أمر منهي عنه في الشرع الحنيف . ( 3 ) رواه النسائي في « السنن الكبرى » ( 3 : 263 كتاب النكاح ، باب النهي عن التبتل برقم 5223 ) .