محمد بن الطيب الباقلاني
135
الإنتصار للقرآن
هو منه ، وطعن في ذلك أهل الزّيغ والإلحاد ، فكذلك حكم القرآن في جواز تغييره وتبديله ، وإن كان اللّه تعالى قد حفظه على الأمة وجمعه . يقال لهم : لا معنى لما أوردتموه ، لأن مطاعن الملحدين وغلط المتأولين ، وتحريف الزائفين والمنحرفين ، لا يمنع من إظهار اللّه تعالى تأويل كتابه بواضح الأدلة والبراهين المنصوبة الناطقة بالحق ، وصحيح النقل لأحكام الشرع ، إما على وجه يوجب العلم أو العمل دون العلم ، على ما رتّبت عليه عباداتنا ، ولن يخلّينا اللّه تعالى في جميع ذلك من حجة لائحة ، ودلالة قاطعة ناطقة ، وإن صرف النظر فيها أهل التقصير والجهل ، فهم عندنا في ذلك بمثابة المكذّب بتنزيل القرآن ، والجاحد أن يكون من عند اللّه ، وأن يكون معجزا للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكلّ ذلك لا يخرجه عن صحة نزوله وكونه آية للرسول ، إذ كانت الحجج على ذلك باهرة ظاهرة ، والقرآن / الصحيح الذي يدّعون ضياعه وذهاب جمعه على الأمة غير ظاهر ولا موجود ولا منصوب لنا عليه دليل يوصلنا إليه بعينه ، ويفرق لنا بينه وبين غيره ، فشتّان ما شبّهتم به وظننتم الاعتصام بذكره . وإن قالوا : أفليس قد قال اللّه جل وعز : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 3 ] ، وقال : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [ الليل : 12 ] ، فضمن هدى العالمين وإن ضلّ منهم خلق كثير ، يقال لهم : ليس الأمر على ما توهّمتم ، لأن اللّه جل وعز أراد بهاتين الآيتين أن يهدي المؤمنين فقط ومن في معلومه أن يهديه وأن يأخذ خلقه لنفعه والمصير إلى جنته ، دون من أضلّه وختم على قلبه وسمعه ، وأخبر أنّ القرآن عمى عليه ، وأنه قد أضلّه وضيّق صدره وجعله حرجا وخلقه لناره ، فإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّمتم من أنه إذا جاز أن يهدي اللّه من يضل ، ولا ينفع من يستضرّ جاز أن يحفظ ما ضاع ، ويجمع ما افترق وتشذّر وتبدّل ، وكلّ هذا يدل على الهرب والوغادة والتلفيق من المتعلّق به .